اتهامات بالانتقائية تعيد أداء الشرطة الإدارية إلى دائرة الجدل في البيضاء
منذ إحداث الشرطة الإدارية سنة 2014 بمرسوم حكومي، تعززت رهانات الحكامة المحلية في المغرب بتطلعات كبيرة إلى أن يشكل هذا الجهاز ثورة في تدبير الشأن العام، من خلال مراقبة الأنشطة الاقتصادية والتجارية وضبط النظام داخل المدن، وكذا حماية الصحة والنظافة والسكينة العامة.
غير أن مرور أزيد من عقد من الزمن كشف أن الجهاز لم يرق في عدد من المدن، وعلى رأسها الدار البيضاء، إلى مستوى الأدوار الموكولة إليه، إذ بات حضوره في الميدان باهتا، يثير تساؤلات المواطنين والمتتبعين حول مدى فعاليته في فرض احترام القانون.
وشكلت مدينة الدار البيضاء، باعتبارها أكبر حاضرة اقتصادية وإدارية في البلاد، الاختبار الأبرز لمدى قدرة الشرطة الإدارية على ممارسة صلاحياتها، لكن الواقع اليوم يكشف عن مظاهر فوضى في استغلال الملك العمومي واستمرار أنشطة غير قانونية في قلب العاصمة الاقتصادية.
وتداولت مجموعات فيسبوكية للشأن المحلي صورا ومقاطع توثق احتلال الأرصفة من قبل مطاعم ومقاهٍ كبرى، في الوقت الذي يشتكي فيه صغار الباعة من صرامة المراقبة الانتقائية التي تمارسها بعض المقاطعات.
ووفقا لمصادر الجريدة 24، فإن والي جهة الدار البيضاء سطات، محمد امهيدية، عبّر في أكثر من مناسبة عن استيائه من تراجع أداء الشرطة الإدارية، مؤكدا أن تراكم الخروقات في تنزيل مهامها يمس بمصداقية المؤسسات أمام المواطنين.
وذكرت المصادر ذاتها أن الوالي راسل عمدة الدار البيضاء نبيلة الرميلي، داعيا إلى اتخاذ إجراءات فورية لوقف التجاوزات وإلزام رؤساء المقاطعات بإنهاء مظاهر الانتقائية في المراقبة.
مصادر مطلعة أوضحت أيضا أن عمدة المدينة خصصت جزءا من اجتماعها الأخير مع أعضاء المجلس الجماعي لمناقشة هذا الملف، حيث شددت على أن تهاون الشرطة الإدارية في القيام بأدوارها يهدد النظام العام ويشجع على تكريس الفوضى.
كما دعت إلى الرفع من وتيرة المراقبة وتفعيل الصلاحيات القانونية دون محاباة أو حسابات ضيقة، معتبرة أن احترام القانون يجب أن يظل قاعدة ثابتة لا تستثني أحدا.
هذا الجدل يعكس بوضوح المأزق الذي يعيشه جهاز الشرطة الإدارية بين النصوص القانونية التي منحته صلاحيات واسعة، وبين واقع ميداني يشهد محدودية في التنفيذ وضعفا في الموارد البشرية واللوجستية.
كما يثير أسئلة حول حدود استقلالية الجماعات في تدبير هذا الجهاز ومدى خضوعه أحيانا لضغوط محلية تحول دون ممارسة سلطاته بشكل متوازن.
في ظل هذه الوضعية، ترتفع أصوات فاعلين محليين مطالبة بإعادة النظر في تجربة الشرطة الإدارية، سواء عبر تقويتها بالموارد والتكوين المناسب، أو من خلال مراجعة آليات المراقبة والجزاء لضمان عدالة في تطبيق القانون.
وبينما يرى مراقبون أن الجهاز يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للحكامة الترابية إذا ما أعيدت هيكلته بصرامة، يحذر آخرون من أن استمراره في صورته الحالية لن يؤدي إلا إلى مزيد من فقدان الثقة بين المواطن والمؤسسات.