دورة أكتوبر البرلمانية.. موعد حاسم يضع تعهدات الحكومة تحت مجهر المساءلة
مع اقتراب موعد الدخول البرلماني المقبل في أكتوبر، يدخل المغرب مرحلة سياسية دقيقة يتوقع أن تحمل الكثير من الجدل والنقاش الحاد داخل قبة البرلمان وخارجها.
فالمشهد السياسي والاجتماعي يعيش حالة من الترقب المشوب بالقلق، في ظل ملفات متراكمة وضاغطة، يأتي في مقدمتها مشروع قانون المالية الأخير في عمر الحكومة الحالية، إلى جانب إصلاح المنظومة الانتخابية واستكمال التشريعات العالقة في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم، بالإضافة للإيجاد أرضية مشتركة تسمح بإطلاق ورش الإصلاح الشامل لأنظمة التقاعد التي تواجه وضعًا بالغ التعقيد.
هذه الملفات، بحسب المهتمين للشأن السياسي، لن تكون مجرد نقاش تقني أو إجرائي، بل ستتحول إلى ساحة مواجهة بين الأغلبية والمعارضة، كل من موقعه، لتأكيد المواقف وتصفية الحسابات السياسية قبل موعد الاستحقاقات المقبلة.
وتتجه الأنظار إلى هذه الدورة التشريعية باعتبارها محطة مفصلية في تقييم حصيلة الحكومة، حيث يطالب المواطنون بوضوح في النتائج ومحاسبة على أساس التعهدات السابقة، في وقت تتهم فيه المعارضةُ الأغلبيةَ بالفشل في تدبير الملفات الكبرى.
أحزاب كالاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية والحركة الشعبية رفعت سقف الانتقادات خلال مرحلة تقديم مدكراتها الانتخابية، مؤكدة أن الحكومة لم تفلح في معالجة أزمات التعليم والصحة والشغل، وأن سياساتها أفرزت مزيداً من الغلاء والبطالة مع استمرار تضارب المصالح ومظاهر الفساد.
هذه الاتهامات تضع الحكومة أمام ضغط مزدوج: من داخل البرلمان عبر آلية الرقابة، ومن الشارع حيث تتصاعد موجة الاحتجاجات الاجتماعية في أكثر من مدينة.
ويبدو أن الملف الصحي سيكون العنوان الأبرز للنقاشات، بعدما فجّرت احتجاجات أكادير أزمة ثقة واسعة عقب ما وصف بـ“تردي الخدمات” داخل المستشفى الجهوي الحسن الثاني بأكادير، وما أعقبها من قرارات إعفاء لمسؤولين.
القصة لم تبق محصورة في واقعة محلية، بل أعادت فتح جرح المنظومة الصحية برمتها، حيث انهالت على وزير الصحة والحماية الاجتماعية أسئلة برلمانية تكشف حجم الاختلالات: نقص الأطر الطبية، ضعف التجهيزات، غياب اللقاحات الأساسية للأطفال، وتعطل مشاريع استشفائية مهيكلة مثل المستشفى الجامعي الجديد بأكادير.
ورسمت صورة الوضع التي نقلها النواب عن مستشفيات الدار البيضاء والشرق وسوس ماسة وفحص أنجرة لوحة قاتمة لواقع يوصف بأنه "كارثي" في بعض المرافق، بلغ حد إطلاق وصف “مستشفى الموت” على أحد المراكز الاستشفائية.
وتعكس الأرقام والمعطيات التي جرى تداولها في الأسئلة البرلمانية حجم الأزمة: أطباء مقيمون يعدون على أصابع اليد في مصالح يفترض أن تستقبل آلاف الحالات، طبيب واحد يتحمل مسؤولية الحراسة الليلية في مدينة كبرى، نقص حاضنات أدى إلى وفاة حديثة الولادة، وأقسام إنعاش عاجزة عن استيعاب الطلب المتزايد.
هذه الوقائع المؤلمة جعلت النقاش يتجاوز البرلمان إلى الرأي العام، حيث تتعالى الأصوات المطالبة بإنقاذ قطاع الصحة من الانهيار، باعتباره حقاً دستورياً وركيزة أساسية للمساواة الاجتماعية.
ومع اقتراب الدخول البرلماني، يبدو أن الدورة المقبلة لن تكون عادية، بل ستكون ساحة لامتحان حقيقي لمدى قدرة الحكومة على تقديم حصيلة مقنعة أو على الأقل خارطة طريق جدية لإصلاح ما يمكن إصلاحه، في وقت يتزايد فيه الغضب الشعبي ويتقلص فيه رصيد الثقة.
وبينما تراهن الأغلبية على تمرير ما تبقى من مشاريعها في هذه السنة التشريعية الحاسمة، تراهن المعارضة على استثمار كل ثغرة وكل ملف اجتماعي ضاغط لتقوية موقعها في المشهد السياسي، خاصة مع اقتراب الانتخابات 2026.