هل ينجح المغرب وألمانيا في إحياء أطول كابل بحري لنقل الطاقة النظيفة؟

الكاتب : انس شريد

26 سبتمبر 2025 - 10:00
الخط :

يشهد قطاع الطاقة العالمي تحولات كبرى مع تسارع السباق نحو التخلي عن الوقود الأحفوري والبحث عن بدائل نظيفة وموثوقة، وهو سباق بات يشكل محورًا استراتيجيًا بين القوى الاقتصادية الكبرى.

في قلب هذا الحراك يبرز المغرب كأحد أهم الفاعلين الإقليميين بفضل موقعه الجغرافي الفريد وإمكاناته الطبيعية الهائلة في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وبعد تعثر مشروع الربط الكهربائي بين المغرب والمملكة المتحدة، يعود الملف إلى الواجهة من بوابة ألمانيا التي تستعد للدخول في شراكة ضخمة قد تغير خريطة الطاقة في القارة الأوروبية لعقود مقبلة.

ووفقًا لما كشفه تقرير نشره موقع "هاندلسبلات" الألماني، فإن المبادرة الجديدة تحمل اسم "سيلا أتلانتيك"، وهي مشروع عابر للقارات يهدف إلى إنشاء أطول كابل بحري في العالم بطول يقارب 4800 كيلومتر، لنقل ما يصل إلى 15 جيجاواط من الكهرباء المولدة من الطاقات المتجددة في جنوب المغرب إلى ألمانيا.

المشروع، الذي تطوره شركة "إكسلينكس" عبر فرعها الألماني، لا يقتصر على البعد التقني فحسب، بل يمثل خطوة استراتيجية تعكس رغبة برلين في تأمين مصادر طاقة بديلة ومستقرة بعد قرارها التخلي التدريجي عن الفحم والطاقة النووية.

وأكد موقع "هاندلسبلات" الألماني، أن شركة Xlinks دخلت في مشاورات مباشرة مع وزارة الاقتصاد في برلين، مقدمة أرقامًا طموحة تُظهر حجم المشروع وقدرته على التأثير في مزيج الطاقة الألماني.

وحسب التقرير فإنه من المقرر أن توفر المحطات المغربية، التي ستجمع بين الطاقة الشمسية في النهار وطاقة الرياح ليلًا، نحو 26 تيراواط/ساعة من الكهرباء سنويًا، بما يعادل قرابة 5% من إجمالي الطلب على الكهرباء في ألمانيا.

هذه القدرة لا تعني فقط تغذية ملايين الأسر، بل أيضًا دعم الصناعات الثقيلة التي تشكل عصب الاقتصاد الألماني وتواجه تحديات متزايدة في الالتزام بالمعايير المناخية الصارمة.

ووفقا للتقارير المتداولة فإن التكلفة الإجمالية للمشروع تقدر بما يتراوح بين 30 و40 مليار يورو، في وقت تتطلع فيه برلين إلى الحصول على دعم من مؤسسات الاتحاد الأوروبي التي تمنح الأولوية لمشاريع البنية التحتية الطاقية ذات الأثر الاستراتيجي.

وإذا ما تم تصنيف "سيلا أتلانتيك" ضمن "المشاريع ذات الاهتمام المشترك"، فسيستفيد من مسارات سريعة في منح التراخيص وحزم التمويل الأوروبية، ما قد يسرّع وتيرة التنفيذ.

لكن الطريق أمام المشروع ليس خاليًا من العقبات، حسب التقارير الاعلامية إذ إن الكابل سيمر عبر عدة دول مثل البرتغال وبلجيكا، ما يفرض الحاجة إلى سلسلة طويلة ومعقدة من الموافقات البيئية والتنظيمية.

إضافة إلى ذلك، حسب المصادر ذاتها يحتاج المستثمرون إلى ضمانات حكومية قوية لتقليل المخاطر المالية، عبر آليات مثل عقود الفروقات التي تضمن أسعارًا ثابتة للطاقة الموردة. ومن دون هذه الضمانات، فإن استدامة المشروع قد تكون محل شكوك رغم جدواه الاقتصادية على المدى البعيد.

ووفقا للمنصات المهتمة بالشأن الطاقي فإن الاهتمام بالمشروع لم يقتصر على السلطات الألمانية فحسب، بل جذب أيضًا كبرى الشركات الأوروبية في قطاع الطاقة مثل "إين بي دبليو" و"أورستيد" و"إيون" و"يونيبر"، التي أبدت استعدادها للمساهمة في تطوير البنية التحتية اللازمة وضمان نجاح المبادرة.

هذا الزخم يعكس إدراكًا متزايدًا بأن التحول الطاقي في أوروبا لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة استراتيجية تمليها اعتبارات المناخ والأمن الطاقي على حد سواء.

ومن الناحية الجيوسياسية، فإن نجاح المشروع سيشكل تحولًا بارزًا في العلاقة بين أوروبا وشمال إفريقيا.

باعتبار أن المغرب بات يُنظر إليه اليوم كقوة صاعدة في مجال الطاقة المتجددة، بعدما رسّخ حضوره كأحد أبرز النماذج في الاستثمار الاستراتيجي بالطاقات النظيفة على مستوى إفريقيا والشرق الأوسط.

فبفضل موقعه الجغرافي المميز الذي يجمع بين وفرة أشعة الشمس وقوة الرياح على سواحله الأطلسية والصحراوية، تمكن من بناء مشاريع عملاقة مثل مجمع "نور" الشمسي في ورزازات، الذي يعد من الأكبر عالميًا، إلى جانب سلسلة من مزارع الرياح المنتشرة شمالًا وجنوبًا.

هذه الطفرة لم تجعل المغرب يحقق اكتفاءً ذاتيًا متزايدًا فحسب، بل أهلته ليكون موردًا محوريًا للطاقة الخضراء نحو أوروبا، الأمر الذي يضعه على خريطة القوى الجديدة المؤثرة في الاقتصاد الطاقي العالمي، ويعزز مكانته كشريك استراتيجي لا غنى عنه في معركة الانتقال الطاقي.

آخر الأخبار