مونديال 2030.. فرصة تاريخية أم فقاعة اقتصادية تهدد سوق الشغل المغربي
يشكل رهان المغرب على استضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم لسنة 2030 منعطفاً تاريخياً في مسار التنمية الوطنية، حيث يجد البلد نفسه أمام فرصة غير مسبوقة لتسريع إنجاز مشاريع كبرى في البنية التحتية وتعزيز جاذبيته الدولية، وفي الوقت نفسه أمام أسئلة ملحة تتعلق بالأولويات الاجتماعية والعدالة المجالية.
فمنذ الإعلان عن فوز الملف الثلاثي المغربي الإسباني البرتغالي بشرف التنظيم، تصاعد النقاش داخل الأوساط السياسية والشعبية حول ما إذا كان التركيز على هذا الحدث الكروي العالمي ينسجم مع الحاجات الاجتماعية والتنموية العاجلة، خصوصاً في مجالات التعليم والصحة والشغل، وهو نقاش يعكس انقساماً مشروعاً بين من يرى في المونديال رافعة قوية للتنمية ومن يعتبره مغامرة مالية قد تُثقل كاهل الميزانية دون ضمانات كافية لاستدامة عائداته.
ومع انطلاق التحضيرات، تحولت العديد من المدن المغربية إلى ورش عمل ضخمة لتطوير بنيات تحتية رياضية وسياحية متقدمة، حيث يتم تنفيذ مشاريع طموحة تمثل نقلة نوعية من شأنها تعزيز قطاعات متعددة ودفع عجلة النمو الاقتصادي.
لكن في مقابل هذه الدينامية، تبرز مخاوف من أن يتحول هذا الازدهار إلى فقاعة ظرفية سرعان ما تنفجر بعد إسدال الستار على المونديال، تاركة وراءها اختلالات بنيوية في سوق الشغل ونموذج التنمية.
ودقت دراسة حديثة صادرة عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة ناقوس الخطر، محذرة من أن المغرب يواجه تحديات كبرى تتعلق بقدرة الاقتصاد الوطني على خلق وظائف مستدامة، في ظل ارتفاع معدل البطالة إلى 12.8 في المئة وبلوغه مستويات مقلقة بين الشباب (37 في المئة) والنساء (20 في المئة).
وأكدت الدراسة أن هذه الأرقام لا تعكس مجرد وضعية ظرفية، بل تكشف عن هشاشة بنيوية في سوق الشغل، حيث يشمل نقص التشغيل أكثر من 1.25 مليون شخص في شكل عمل جزئي غير مرغوب فيه أو بطالة مقنّعة. ويهيمن القطاع غير المهيكل على ما يقارب ثلثي العمالة، ما يعني غياب الحماية الاجتماعية وغياب شروط العمل اللائق لملايين المغاربة.
ورغم قصة النجاح التي يرويها قطاع صناعة السيارات، حسب التقرير، الذي جعل المغرب أكبر ممون للاتحاد الأوروبي، إلا أن هذا النجاح يظل هشاً بحكم اعتماده بشكل شبه كلي على الطلب الخارجي، خاصة من فرنسا وإسبانيا، ما يجعله عرضة لسياسات إعادة التصنيع الأوروبية والتحولات البيئية المرتبطة بالسيارات الكهربائية وضريبة الكربون.
ووفقا للتقرير فإن أي تباطؤ اقتصادي أو تغير في السياسات التجارية داخل أوروبا يمكن أن يؤدي إلى انكماش حاد في الطلب، وهو ما يهدد استقرار آلاف الوظائف الصناعية.
ولا تقتصر المخاطر على الصناعة، إذ يواجه قطاع الخدمات تهديدات مماثلة، خصوصاً مراكز الاتصال المهددة بإجراءات قانونية أوروبية جديدة تحد من “الاتصال البارد”، وهو ما قد يؤثر على عشرات الآلاف من فرص العمل.
أما قطاع البناء والأشغال العمومية، الذي يعرف طفرة غير مسبوقة بفضل مشاريع المونديال، حسب التقرير فيواجه شبح فائض اليد العاملة بعد اكتمال هذه الأوراش، ما قد يرفع معدلات البطالة ويؤدي إلى توترات اجتماعية إذا لم يتم ابتكار حلول استباقية.
وتشير التقديرات، حسب التقرير إلى أن التحضيرات لكأس العالم قد تخلق نحو 250 ألف وظيفة مؤقتة في قطاع البناء وما يقارب 100 ألف وظيفة شبه دائمة في السياحة والضيافة، غير أن التقرير البحثي يتساءل بوضوح: ماذا بعد 2030؟ فغياب خطة تنويع الاقتصاد وتحويل المهارات قد يجعل هذه الطفرة مجرد ازدهار عابر، يعقبه ركود قد تكون تداعياته الاجتماعية خطيرة.
هذه المخاوف تتعاظم في ظل ما يسميه التقرير “تسونامي الذكاء الاصطناعي”، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة، بل قوة تعيد تشكيل القطاعات الاقتصادية كافة. فبينما تهدد الأتمتة العديد من الوظائف الروتينية والإدارية، فإنها في المقابل تخلق طلباً على مهارات جديدة تتعلق بالإبداع والتفكير النقدي والتقنيات الرقمية المتقدمة، وهو ما يفرض على المغرب تطوير منظومة تعليم وتكوين قادرة على مواكبة هذه التحولات المتسارعة.
وفي مواجهة هذه التحديات، دعا التقرير ذاته إلى تبني خطة استباقية لما بعد 2030، تبدأ على المدى القصير بإحداث لجنة وطنية تضم القطاعين العام والخاص وخبراء مستقلين، مهمتها وضع استراتيجية واضحة لتحويل واستيعاب اليد العاملة في قطاعي البناء والسياحة بعد انتهاء الأشغال الكبرى، مع التركيز على مشاريع البنية التحتية الخضراء وصيانة المدن.
كما شدد المصدر ذاته على ضرورة تنويع الشركاء التجاريين عبر دبلوماسية اقتصادية نشطة تفتح أسواقاً جديدة في إفريقيا والشرق الأوسط والأمريكيتين، بما يقلل الاعتماد المفرط على أوروبا.
أما على المدى المتوسط، فيقترح التقرير إصلاحاً شاملاً لقانون الشغل يستجيب لتعدد أشكال العمل ويوفر حقوقاً اجتماعية متنقلة ترافق العامل أينما ذهب، إضافة إلى إعادة هيكلة منظومة التكوين المهني لتواكب متطلبات الصناعة الخضراء والرقمية، وتعميم تدريس المهارات الرقمية والتفكير النقدي في مختلف مستويات التعليم.
وعلى المدى الطويل، دعا المصدر ذاته إلى تجريب نماذج للدخل الأساسي الموجه لفئات هشة مثل الشباب والعمال المهددين بالأتمتة، وإلى استكشاف صيغ جديدة لتنظيم وقت العمل، كاعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، بما يتيح تقاسم ثمار الإنتاجية وتحسين جودة الحياة.
ومع اقتراب العد التنازلي للمونديال، يجد المغرب نفسه أمام معادلة دقيقة: استثمار الفرصة التاريخية لتعزيز مكانته الدولية وتحقيق قفزة تنموية، وفي الوقت نفسه التحضير لما بعد الحدث بما يضمن استدامة المكاسب وتفادي مخاطر “فقاعة المونديال”.