هل نجحت استراتيجية الحكومة في كبح الغلاء وحماية القدرة الشرائية؟
لا يزال الجدل محتدماً في الأوساط السياسية والاقتصادية حول مدى نجاح الحكومة الحالية في كبح موجة الغلاء التي مست جيوب المواطنين خلال السنوات الأخيرة، في ظل استمرار المعارضة البرلمانية في توجيه انتقادات حادة لأداء الفريق الحكومي، متهمة إياه بالفشل في حماية القدرة الشرائية للمغاربة، رغم ما تصفه الحكومة بأنه مجهود مالي غير مسبوق لمواجهة تداعيات الأزمات العالمية.
فخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، الاثنين 20 أكتوبر 2025، أكدت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، أن الارتفاعات المسجلة في الأسعار منذ سنة 2022 لا يمكن فصلها عن سلسلة من الأزمات الدولية المتتالية، بدءاً بجائحة “كوفيد-19” مروراً بالحرب في أوكرانيا واضطراب سلاسل التوريد العالمية، وصولاً إلى تقلبات أسعار الطاقة والمواد الأساسية.
وأوضحت الوزيرة أن هذه العوامل المعقدة لم تقتصر آثارها على المغرب وحده، بل شملت معظم الاقتصادات الناشئة والمتقدمة على السواء، مشددة على أن الحكومة تعبأت عبر حزمة من الإجراءات لحماية القدرة الشرائية للمواطنين وضمان استقرار السوق الوطنية.
وكشفت فتاح أن الحكومة خصصت ما مجموعه 120 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2022 و2025 لدعم المواد والخدمات الأساسية، والحفاظ على أسعار الكهرباء والماء في مستويات مقبولة، رغم الارتفاع العالمي في كلفة الطاقة.
وأشارت إلى أن هذا المجهود المالي الضخم يندرج ضمن سياسة مالية تهدف إلى التوازن بين متطلبات الدعم الاجتماعي واستدامة المالية العمومية، مؤكدة أن الحكومة حرصت على استهداف الفئات الأكثر هشاشة وضمان استمرارية المرافق الحيوية.
وأضافت الوزيرة أن الحكومة واصلت عمليات المراقبة في الأسواق بالتنسيق مع المصالح المختصة لضمان الشفافية في الأسعار ومنع أي ممارسات احتكارية، مؤكدة أن الحكومة لا تتساهل مع التجاوزات التي تمس بقوت المواطنين اليومي.
كما شددت على أن الحكومة لا تتنصل من مسؤولياتها في مواجهة الغلاء، بل تعمل باستمرار على إيجاد حلول عملية ومستدامة لتقوية الأمن الاقتصادي والاجتماعي للمملكة، سواء من خلال تعزيز الدخل عبر برامج اجتماعية مباشرة أو عبر تحسين مناخ الاستثمار ودعم القطاعات الإنتاجية.
وفي ما يتعلق بالمؤشرات الاقتصادية، أوضحت فتاح أن معدل التضخم في المغرب تراجع إلى 1.1 في المئة إلى غاية غشت 2025، بعدما بلغ 13 في المئة في ذروة الأزمة، معتبرة أن هذا الانخفاض يعكس نجاعة التدابير الحكومية المتخذة للتخفيف من آثار الصدمات الخارجية.
وأضافت أن الحكومة تواصل مجهودها لضمان استقرار الأسعار وتوازن السوق، مع الحرص على حماية الفئات الهشة، مشيرة إلى أن الظرفية الاقتصادية الحالية ما زالت تتطلب تعبئة جماعية لمواجهة التحديات ومواصلة الإصلاحات الهيكلية الكبرى.
ومن بين هذه الإصلاحات، اعتبرت وزيرة الاقتصاد أن برنامج الدعم الاجتماعي المباشر يشكل أحد أبرز أوراش الحكومة ضمن الرؤية الملكية الهادفة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز الحماية للفئات الهشة.
وأوضحت أن البرنامج، الذي انطلق فعلياً في يناير 2024، استفادت منه في مرحلته الأولى حوالي 2.6 مليون أسرة، قبل أن يتوسع ليشمل نحو 4 ملايين أسرة حالياً، أي ما يعادل 62% من الأسر المستحقة.
وأشارت إلى أن الدعم يغطي مجالات متعددة، من بينها الحماية من المخاطر الاجتماعية المرتبطة بالطفولة وتقديم إعانات مالية مباشرة للأسر ذات الدخل المحدود.
وأكدت فتاح أن عملية تسجيل الأسر تخضع لمعايير دقيقة ومنصات رقمية متطورة تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص، مبرزة أن نسبة الطلبات المرفوضة لا تتجاوز 1.3% شهرياً، وغالباً ما تعود إلى تغييرات في المعطيات الأسرية أو إلى استفادة أحد أفراد الأسرة من دعم آخر.
وأبرزت أن السجل الوطني للسكان سجل إلى حدود اليوم أكثر من 5.3 ملايين أسرة، أي ما يعادل حوالي 20 مليون نسمة، ما يعكس – حسب قولها – حجم الانخراط الوطني في هذا الورش الاجتماعي الطموح.
ورغم هذه الأرقام والإجراءات الحكومية، تواصل المعارضة التشكيك في نجاعة هذه السياسات، معتبرة أن تراجع التضخم لا يعني بالضرورة تحسناً ملموساً في معيش المواطن، في ظل استمرار ارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية والخدمات اليومية، وتراجع القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة.
وتطالب المعارضة بإعادة النظر في سياسات الدعم الموجهة، وإقرار إجراءات جبائية أكثر إنصافاً للفئات المتضررة، معتبرة أن حجم الدعم المعلن عنه لا يوازي حجم المعاناة التي يعيشها المواطنون في الأسواق.
وبينما تتباين القراءات السياسية والاقتصادية حول نتائج هذه الإجراءات، يظل السؤال المطروح بإلحاح هو ما إذا كانت الحكومة قد نجحت فعلاً في كبح الغلاء وحماية القدرة الشرائية، أم أن الأمر لا يزال مجرد توازن هش بين ضغط الواقع الاجتماعي ومتطلبات الاستقرار المالي.
فالأرقام الرسمية تقدم إشارات إيجابية، لكن الواقع المعيشي اليومي للمواطنين سيظل المقياس الحقيقي لمدى فعالية السياسات العمومية في مواجهة تحديات الغلاء وضمان العدالة الاجتماعية في المغرب.