المغرب ورهان تقليص البطالة.. 36.895 منصبا ماليا و3 قطاعات تهيمن على التوظيف
في خضم سنة سياسية حاسمة تسبق نهاية الولاية الحكومية، وفي سياق اقتصادي عالمي لا يخلو من التوترات والتقلبات، جاء مشروع قانون المالية لسنة 2026 ليجدد النقاش حول رهانات التشغيل في المغرب، ومقدار قدرة الدولة على مواجهة تحدي البطالة الذي ما يزال من أبرز الإشكالات الاجتماعية المطروحة على طاولة الإصلاح.
فبين طموح حكومي معلن لتحقيق إقلاع اقتصادي يعزز مناصب الشغل، وتطلعات شعبية إلى تحسين مستوى العيش، يبدو أن مشروع المالية الجديد جاء محملاً بوعود كبيرة، وأرقام طموحة، تؤشر على استمرار الرهان على القطاعات الاجتماعية كقاطرة أساسية للتنمية.
ووفقا لمضامين مشروع قانون المالية لسنة 2026، فإن هنام قفزة نوعية مرتقبة في عدد المناصب المالية المحدثة، إذ ستبلغ 36.895 منصبًا جديدًا في مختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية، مقابل 28.906 منصبًا سنة 2025، أي بزيادة تقارب 27.6 في المئة، في خطوة تُبرز بوضوح إرادة الحكومة في المضي قدمًا في تعزيز التوظيف العمومي، خصوصًا في القطاعات التي تُلامس الحياة اليومية للمواطنين.
هذه الزيادة اعتُبرت من قبل المراقبين مؤشراً على إدراك الحكومة لأهمية تعزيز البنية البشرية للدولة، في وقت ما زال فيه سوق الشغل يعاني من فجوة واضحة بين العرض والطلب.
وتُظهر تفاصيل المشروع أن ثلاثة قطاعات كبرى تستحوذ على النصيب الأكبر من هذه المناصب، إذ تم تخصيص 13 ألف منصب لوزارة الداخلية، و8 آلاف منصب لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، و5.500 منصب لإدارة الدفاع الوطني، وهي أرقام تعكس توجه الدولة نحو تقوية الأجهزة الأمنية والطبية والعسكرية، باعتبارها قطاعات حيوية تحفظ الأمن والاستقرار وتضمن استمرارية الخدمات الأساسية.
كما خصص المشروع 2.600 منصب لوزارة الاقتصاد والمالية، و1.759 منصبًا لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، و2.020 منصبًا للمندوبية العامة لإدارة السجون، في حين نالت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة 600 منصب لفائدة حاملي شهادة الدكتوراه، في إطار تسوية وضعيتهم ضمن هيئة الأساتذة الباحثين.
ويشير المشروع إلى أن الإصلاحات الحكومية ستشمل أيضًا إحداث أكثر من 27 ألف منصب في قطاعي الصحة والتعليم، بهدف تعزيز الكوادر البشرية في المستشفيات والمدارس، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتشمل هذه المناصب توظيف أطباء وممرضين وتقنيين في مختلف التخصصات الطبية، إلى جانب معلمين وإداريين ومفتشين تربويين في المجال التعليمي، في مسعى للحد من الاكتظاظ ودعم البنية التحتية البشرية للمؤسسات العمومية.
وتضمن المشروع كذلك تخصيص 200 منصب لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، ضمن 500 منصب سيوزعها رئيس الحكومة على مختلف القطاعات الوزارية، في خطوة ترمي إلى تكريس مبدأ تكافؤ الفرص وضمان إدماج فعلي لهذه الفئة في سوق الشغل العمومي.
كما خصصت الحكومة 640 منصبًا للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، و400 منصبًا لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، و379 منصبًا لوزارة التربية الوطنية، و300 منصبًا لوزارة العدل، بينما حصل كل من البلاط الملكي ووزارتي التجهيز والماء والفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات على 200 منصب لكل منها.
ورصد مشروع قانون المالية أيضًا 155 منصبًا لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، و125 منصبًا لرئاسة الحكومة، إلى جانب 80 منصبًا لكل من وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ووزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.
أما الوزارة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة فقد خصص لها 65 منصبًا، في حين نالت المحاكم المالية ووزارة السياحة والمندوبية السامية للتخطيط 60 منصبًا لكل منها، ووزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات 52 منصبًا، ووزارة النقل واللوجستيك 50 منصبًا.
أما باقي القطاعات، فقد نالت حصصًا محدودة، حيث تم تخصيص 35 منصبًا لكل من وزارة الصناعة والتجارة والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، و30 منصبًا لكل من وزارة الاستثمار وتقييم السياسات العمومية ووزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، إلى جانب 20 منصبًا لكل من مجلسي النواب والمستشارين والأمانة العامة للحكومة والمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.
كما خصص المشروع 15 منصبًا للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، و10 مناصب فقط للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
ويرى محللون أن هذه الأرقام، رغم طابعها الإيجابي، تظل غير كافية لمواجهة حجم البطالة في صفوف الشباب، خصوصًا خريجي الجامعات، إذ تشير تقديرات اقتصادية إلى أن سوق الشغل المغربي يحتاج إلى خلق ما لا يقل عن 150 ألف فرصة عمل سنويًا للحفاظ على التوازن بين النمو الديموغرافي ومعدلات الإدماج المهني.
ومع ذلك، تُراهن الحكومة على أن مضاعفة الجهود الاستثمارية وتنشيط القطاعات الإنتاجية، إلى جانب البرامج الوطنية للتشغيل، ستساهم تدريجيًا في تخفيف الضغط على الوظائف العمومية وتحفيز التشغيل في القطاع الخاص.
ويُجمع المراقبون على أن رهان التشغيل في المغرب يتجاوز الأرقام المعلنة في قانون المالية، ليشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على بناء اقتصاد منتج قائم على الكفاءة والابتكار.