المغرب ورهان تشديد الخناق على التهرب الضريبي

الكاتب : انس شريد

22 October 2025 - 09:30
الخط :

يشكل التهرب الضريبي أحد أبرز الإشكالات التي تواجه الأنظمة المالية الحديثة، لما يخلفه من آثار مباشرة على العدالة الاجتماعية وتوازن المالية العمومية

فحين يعمد بعض الأفراد أو الشركات إلى التملص من أداء ما عليهم من ضرائب، يتراجع مبدأ المساواة أمام القانون وتفقد الدولة جزءًا مهماً من مواردها التي تُوجه عادة لتمويل الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والبنيات التحتية.

في المغرب، ورغم الجهود الإصلاحية التي بُذلت خلال العقدين الماضيين، لا يزال التهرب والغش الضريبيان يشكلان تحدياً مزمناً أمام بناء منظومة جبائية عادلة ومنصفة.

فحجم الاقتصاد غير المهيكل، وضعف التصريح بالمداخيل الحقيقية، واستعمال الفواتير الصورية، كلها عوامل تجعل الدولة تفقد سنوياً مليارات الدراهم من العائدات الضريبية.

هذا النزيف المالي لا ينعكس فقط على ميزانية الدولة، بل يعرقل كذلك السياسات العمومية الموجهة نحو تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

في هذا الإطار، جاء مشروع قانون المالية لسنة 2026 بمجموعة من الإجراءات الجديدة التي تستهدف الحد من التهرب الضريبي وتعزيز الشفافية في المعاملات الاقتصادية. فقد اقترحت الحكومة فرض واجب تسجيل إضافي بنسبة 2 في المائة على عقود بيع العقارات والأصول التجارية التي لا تُثبت وسائل الأداء القانونية، في خطوة ترمي إلى الحد من المعاملات النقدية الكبرى التي تجري خارج القنوات البنكية ودون علم الموثقين.

ويُلزم الإجراء الجديد المتعاملين بإرفاق عقود التفويت بوثائق تثبت وسيلة الأداء، سواء عبر الشيك أو التحويل البنكي أو المقاصة المالية، وهو ما من شأنه تمكين الإدارة الضريبية من تتبع مسار الأموال ومراقبة مدى احترام القوانين الجبائية.

كما وسّع المشروع نطاق تطبيق نظام الحجز في المنبع ليشمل عائدات كراء العقارات المدفوعة من قبل الشركات والأشخاص الخاضعين للضريبة المهنية، بعدما كان يقتصر سابقاً على الكراء بين الخواص.

وستُحتسب الضريبة بنسبة 5 في المائة من المبالغ المؤداة، مع إمكانية استنزالها لاحقاً من الضريبة السنوية المستحقة، في خطوة تهدف إلى تعزيز المراقبة الفورية للمداخيل وتفادي التلاعب في التصريحات.

وفي ما يتعلق بالأرباح المالية ورؤوس الأموال المنقولة، شدد المشروع على إلزامية أداء الضريبة المستحقة عن كل عملية تفويت خلال 30 يوماً من تاريخها، عوض الأداء السنوي المعتمد سابقاً، مع فرض إقرار سنوي على الخاضعين للضريبة الذين يملكون رؤوس أموال أو أرباحاً ذات مصدر أجنبي.

ويعكس هذا التوجه رغبة الدولة في ضبط حركة الرساميل وضمان التتبع الضريبي لمختلف مصادر الدخل، سواء داخل البلاد أو خارجها.

كما تضمن المشروع إجراءات تستهدف الفواتير المزورة والخدمات الصورية، من خلال توسيع الحجز في المنبع على مكافآت الخدمات المقدمة من طرف الأشخاص الاعتباريين لمؤسسات مالية وشركات تأمين ومقاولات كبرى يتجاوز رقم معاملاتها 50 مليون درهم.

الهدف من هذا الإجراء هو تقليص فرص التحايل عبر تضخيم المصاريف أو إصدار فواتير غير حقيقية لتقليص الأرباح الخاضعة للضريبة.

أما في القطاع الصناعي، فقد نص مشروع القانون على إلزام منشآت الصناعة التحويلية بالتصفية الذاتية للضريبة على القيمة المضافة المتعلقة بمشتريات النفايات والمعادن والمواد المستعملة، بعدما تبين أن بعض العمليات في هذا المجال تُستغل لتزوير الفواتير أو التهرب من الأداء.

وبذلك، يتم إدماج هذه العمليات في الدورة الجبائية الرسمية لضمان الشفافية الكاملة في سلاسل الإنتاج وإعادة التدوير.

وتؤشر هذه الإجراءات مجتمعة على انتقال المغرب نحو مرحلة جديدة من الحزم الجبائي، هدفها الأساسي هو إغلاق الثغرات التي كانت تسمح بالتحايل والتهرب، مع إعادة الاعتبار لمبدأ المساواة أمام الضريبة.

آخر الأخبار