مالية 2026.. ارتفاع الاستثمارات العمومية فرصة للتنمية أم هدية جديدة للقطاع الخاص؟

الكاتب : انس شريد

25 October 2025 - 10:30
الخط :

يرتقب أن تعرف سنة 2026 ارتفاعاً جديداً في حجم الاستثمارات العمومية بالمغرب، بعدما أعلنت الحكومة عن تخصيص غلاف مالي إجمالي يقدر بـ380 مليار درهم، مقابل 340 مليار درهم خلال السنة المالية 2025.

ويأتي هذا الارتفاع في إطار سعي الدولة إلى تعزيز البنيات التحتية، وتحفيز النمو الاقتصادي، وتحقيق التنمية المجالية المستدامة، غير أن هذا التوجه أثار تبايناً في المواقف بين من يعتبره خطوة إيجابية لتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني، ومن يرى فيه تكريساً لاختلالات قائمة في توزيع الثروة والموارد.

وحسب ما ورد في المذكرة التقديمية لمشروع قانون مالية 2026، فإن المؤسسات والمقاولات العمومية ستستفيد من حصة تبلغ نحو 179,7 مليار درهم، بينما ستُخصص 132,8 مليار درهم للميزانية العامة والحسابات الخصوصية ومصالح الدولة المسيرة بصورة مستقلة، مع تحييد التحويلات المالية المتبادلة بينها.

كما رُصد لصندوق محمد السادس للاستثمار مبلغ 45 مليار درهم، في حين ستستفيد الجماعات الترابية من غلاف مالي يقدر بـ22,5 مليار درهم، ما يعكس استمرار التوجه نحو دعم الاستثمار العمومي كأداة رئيسية لدفع عجلة التنمية.

في المقابل، عبّرت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل عن رفضها لما أسمته “التحويل التدريجي للاستثمار العمومي إلى خدمة مصالح القطاع الخاص”، معتبرة أن مشروع قانون المالية لسنة 2026 يفتقر إلى رؤية اجتماعية واضحة تضع التشغيل والخدمات الأساسية في صلب أولوياته.

وأوضحت النقابة في بلاغ لها أن الرفع من الاستثمارات العمومية لا يعني بالضرورة توسيع قاعدة التنمية، ما دامت خمس جهات فقط تستحوذ على ما يقارب 60 في المائة من مجموع هذه الاستثمارات، وهو ما يعمق التفاوتات المجالية والاجتماعية ويبعد المشروع عن تحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة.

وأضافت الكونفدرالية أن استمرار الحكومة في منح الامتيازات الجبائية والمالية لرؤوس الأموال الكبرى بدل إصلاح النظام الضريبي وإرساء عدالة ضريبية فعلية، يعكس، حسب تعبيرها، “هيمنة منطق السوق على منطق الدولة الاجتماعية”.

وطالبت بإعادة توجيه الاستثمارات العمومية نحو المشاريع المنتجة لفرص الشغل والداعمة للقطاعات الحيوية، خاصة التعليم والصحة والنقل، بما يضمن تحسين ظروف العيش وتقليص الهشاشة.

من جهة أخرى، قدّم المركز الإفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمنة قراءة مغايرة لمشروع قانون المالية الجديد، معتبراً أنه يمثل خطوة متقدمة نحو تعزيز ثقة المستثمرين وإرساء مناخ أعمال محفّز، لاسيما في ظل توجه الدولة نحو الاقتصاد الأخضر والرقمنة باعتبارهما محركين رئيسيين للنمو في المرحلة المقبلة.

وأكد المركز في دراسة تحليلية أن الحكومة تراهن على خلق توازن بين تحفيز الاستثمار والحفاظ على التوازنات المالية الكبرى، مع الاستمرار في مراقبة تنفيذ المشاريع وتقييم الأثر الاجتماعي والاقتصادي للسياسات العمومية.

وأشار التقرير ذاته إلى أن التركيز على الابتكار والتحول الرقمي قد يشكل رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي المستدام، شريطة أن ترافقه سياسات اجتماعية قادرة على ضمان استفادة أوسع لفئات المجتمع من ثمار التنمية، وعدم حصرها في الفاعلين الاقتصاديين الكبار أو في مناطق محددة.

وفي سياق متصل، سبق ان حذّر نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، من استمرار ما وصفه بـ“مغرب السرعتين”، في إشارة إلى التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية العميقة بين الجهات.

وقال مؤخرا خلال ندوة فكرية بالدار البيضاء إن “الفوارق المجالية ما تزال صارخة رغم الجهود الحكومية المبذولة”، داعياً إلى تحقيق عدالة مجالية تضمن توزيعاً متوازناً للاستثمارات والمشاريع بين مختلف مناطق المملكة.

وأكد بركة أن ثلاث جهات فقط، من بينها جهة الدار البيضاء–سطات، تخلق ما يقارب 60 في المائة من الناتج الداخلي الخام، في حين تبقى مساهمة باقي الجهات محدودة جداً، ما يؤدي إلى تركّز الثروة في مناطق بعينها ويقوض فرص التنمية المتوازنة. واعتبر أن معالجة هذا الواقع تتطلب رؤية شاملة تُعيد الاعتبار للجهات الأقل استفادة من المشاريع الكبرى، حتى لا يتحول النمو الاقتصادي إلى عامل لتوسيع الفوارق بدلاً من تقليصها.

ويبدو أن مشروع قانون مالية 2026، بما يحمله من طموحات تنموية واستثمارية، يضع الحكومة أمام اختبار صعب بين الحفاظ على جاذبية الاقتصاد الوطني أمام المستثمرين من جهة، وضمان عدالة اجتماعية ومجالية فعلية من جهة أخرى.

وبين مؤشرات التفاؤل الاقتصادي والتحفظات النقابية والسياسية، يظل نجاح هذا المشروع رهيناً بمدى قدرة الدولة على تحويل الاستثمارات العمومية إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة والإنصاف الاجتماعي في مختلف جهات المملكة.

آخر الأخبار