العطش يطرق أبواب جهة الرباط.. نساء يحملن القنينات والوزير بركة يعد بالحلول قبل نهاية السنة
تعيش المملكة المغربية في الوقت الراهن حالة استنفار غير مسبوقة لمواجهة أزمة العطش التي باتت تهدد عدداً من مناطقها الحضرية والقروية على حد سواء، في ظل تراجع خطير لمستويات الموارد المائية بالسدود نتيجة استمرار سنوات الجفاف وقلة التساقطات المطرية.
هذه الوضعية المقلقة دفعت المعارضة البرلمانية إلى دق ناقوس الخطر، وسط تزايد القلق الشعبي من تداعيات الأزمة على الأمن المائي ومستقبل التنمية المستدامة بالبلاد.
وتظهر المؤشرات المائية المسجلة خلال الأشهر الأخيرة منحنىً تنازلياً في منسوب المياه بالسدود المغربية، إذ لم تتجاوز نسبة ملئها 31.6 في المائة، مقابل 29 في المائة في السنة الماضية.
ويعد هذا التراجع إشارة واضحة إلى الضغط المتزايد على الموارد المائية، مما انعكس مباشرة على حصة الفرد السنوية من هذه المادة الحيوية، التي أصبحت تعرف انخفاضاً مقلقاً في ظل استمرار الطلب المتزايد من قطاعات السقي والفلاحة والصناعة والاستهلاك المنزلي.
أمام هذا الوضع الحرج، تحولت قبة البرلمان خلال الجلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب إلى ساحة نقاش ساخن حول مسؤولية الحكومة في تدبير أزمة الماء، حيث وجهت النائبة البرلمانية عن الفريق الاشتراكي، عائشة الكرجي، انتقادات لاذعة إلى وزير التجهيز والماء نزار بركة، معتبرة أن السياسات المائية الحالية فشلت في تلبية أبسط حاجيات المواطنين من الماء الصالح للشرب.
وأكدت النائبة البرلمانية أن عدداً من الدواوير الواقعة بجهة الرباط سلا تعيش على وقع العطش، وأن المشهد اليومي لنساء يحملن القنينات والجرار لجلب الماء من أماكن بعيدة أصبح مشهداً مألوفاً يثير الأسى والحرج، خاصة في منطقة يفترض أن تكون في صدارة التنمية الوطنية.
الكرجي وصفت المشهد بـ”الكارثة الكبرى”، معتبرة أن استمرار هذه الأزمة في مناطق قريبة من العاصمة أمر “لا يليق بمكانة الرباط ومحيطها”.
وأشارت إلى أن النساء يعانين من عبء يومي في سبيل الحصول على الماء، مضيفة أن الأمر تحول إلى ما يشبه “الحكرة الاقتصادية والاجتماعية”، في وقت تطمح فيه البلاد إلى تحقيق العدالة المجالية بين مختلف جهاتها.
وطالبت النائبة الحكومة باتخاذ إجراءات استعجالية لتزويد المناطق المتضررة بالماء الصالح للشرب، مؤكدة أن الأزمة لم تعد ظرفية، بل أصبحت بنيوية تستدعي حلولاً جذرية تراعي كرامة المواطنين وحقهم في الحياة الكريمة.
في المقابل، دافع وزير التجهيز والماء نزار بركة عن السياسة المائية الحكومية، موضحاً أن وزارته تعمل على تسريع وتيرة إنجاز مشاريع كبرى لضمان الأمن المائي للمملكة.
وكشف الوزير خلال أشغال الجلسة أن مشروع الربط بين أحواض سبو وأبي رقراق، ومنه إلى حوض أم الربيع، سيمكن من تأمين ما يصل إلى 800 مليون متر مكعب من المياه، مؤكداً أن هذا المشروع الاستراتيجي سيتم إطلاقه نهاية شهر دجنبر المقبل.
وأوضح أن هذه الخطوة تأتي في إطار مقاربة تقوم على مبدأ التضامن بين الأحواض المائية لمواجهة الاختلالات في التوزيع الجغرافي للموارد.
وأضاف بركة أن الحكومة تشتغل على تسريع إنجاز 14 سداً كبيراً قيد الأشغال حالياً، إلى جانب ستة سدود جديدة ستنطلق أشغالها قريباً في مناطق مختلفة، منها العرائش وشفشاون وتاونات، فضلاً عن أربعة سدود متوسطة بالحوز وطاطا وبنسليمان وتزنيت.
كما تم برمجة سدين متوسطين إضافيين بخنيفرة وفكيك في إطار رؤية شاملة تهدف إلى تقوية البنية التحتية المائية الوطنية، حسب ما أكده نزار بركة.
وفي سياق آخر، أشار الوزير إلى أن تحلية مياه البحر أصبحت خياراً استراتيجياً للبلاد، مبرزاً أن حجم المياه المحلاة ارتفع من 32 مليون متر مكعب إلى 320 مليون متر مكعب في عهد الحكومة الحالية، مع توقعات بالوصول إلى مليار و700 مليون متر مكعب سنوياً في أفق سنة 2030.
وأكد أن محطة التحلية الضخمة بمدينة الدار البيضاء، المقرر الانتهاء منها في عام 2027، ستشكل نقطة تحول حقيقية في مجال تأمين حاجيات المدن الساحلية من الماء، بما سيسمح بتوجيه مياه السدود نحو دعم الفلاحة والمناطق القروية.
الوزير شدد على أن التغيرات المناخية الحادة التي عرفها المغرب خلال السنوات السبع الأخيرة ساهمت في تفاقم أزمة المياه، مشيراً إلى أن البلاد لم تشهد مثيلاً لها منذ عقود.
مبرزا أن جلالة الملك محمد السادس أعطى توجيهات واضحة للحكومة من أجل وضع خارطة طريق شاملة تضمن التزويد المنتظم بالماء خاصة في العالم القروي، من خلال توفير آلاف الشاحنات الصهريجية وتعميم مشاريع التحلية والربط بين الأحواض.
وبين الانتقادات البرلمانية والتطمينات الحكومية، تظل أزمة العطش مرآة تعكس تحديات المغرب في مواجهة التغير المناخي وضمان الأمن المائي للأجيال القادمة، وهي معركة تتطلب تضافر الجهود بين الدولة والمجتمع لبناء مستقبل مائي مستدام يضمن العدالة في توزيع الموارد ويحافظ على حق المواطنين في الحياة الكريمة.