مالية 2026 على طاولة الأحزاب.. بين تقييم المضامين وتحديات السنة الأخيرة
شرعت الأحزاب السياسية المغربية في مناقشة مضامين مشروع قانون المالية لسنة 2026، في سياق وطني مطبوع بنقاش واسع حول التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة خلال سنتها الأخيرة من الولاية التشريعية.
وتأتي هذه اللقاءات في وقت يترقب فيه الرأي العام والمراقبون ملامح السياسة المالية المقبلة، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية التي تعرفها البلاد.
وفي هذا الإطار، ترأس نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، صباح يوم الاثنين 27 أكتوبر 2025 بالمركز العام للحزب بالرباط، لقاءً دراسياً حول موضوع “مستجدات قانون المالية لسنة 2026”، نظمه الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، بتنسيق مع رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين.
وشارك في هذا اللقاء عدد من أعضاء اللجنة التنفيذية للحزب، إلى جانب اقتصاديين وأطر من الحزب، وذلك في إطار مقاربة تشاركية تهدف إلى تحليل مشروع القانون وتقييم توجهاته العامة.
وأكد نزار بركة في كلمت أن مشروع قانون المالية الحالي يُعد آخر ميزانية في الولاية الحكومية الجارية، ما يستدعي تقييمها في ضوء الحصيلة العامة والبرنامج الحكومي، مبرزاً أن الرؤية الاقتصادية للمغرب خلال السنوات الأخيرة قامت على مبدأ "الصعود الاقتصادي المقرون بالعدالة الاجتماعية والمجالية".
وأوضح أن استعادة الثقة في الاقتصاد الوطني وتحسين التوازنات الماكرو اقتصادية تمثلان منجزاً مهماً، مشيراً إلى أن عجز الميزانية تراجع إلى 3.5% بعد أن كان يفوق 7% سنة 2020، وأن الاحتياطات من العملة الصعبة بلغت 5.5 أشهر من الواردات، في مؤشر على متانة الوضع المالي للمملكة.
وأضاف الأمين العام لحزب الاستقلال أن نسب النمو سجلت منحى تصاعدياً بعد سنوات من التباطؤ، موضحاً أن الاقتصاد المغربي مر من 1.3% سنة 2022 إلى توقعات بنحو 4.8% هذه السنة، مدعوماً بأداء القطاعات غير الفلاحية، وتطور الإنتاج الفلاحي رغم استمرار الجفاف.
واعتبر أن هذا التحول يعكس نجاح الإصلاحات الكبرى، خاصة في تنويع الإنتاج الفلاحي والحد من تبعية الاقتصاد الوطني للتقلبات المناخية.
كما شدد على أن الدولة الاجتماعية ظلت محور السياسات العمومية في قانون المالية الجديد، من خلال رفع ميزانيتي التعليم والصحة إلى 140 مليار درهم مجتمعة، أي بزيادة تفوق 70% مقارنة بعام 2021.
وأشار بركة إلى أن الحكومة خصصت موارد إضافية لتحسين الخدمات الصحية، من خلال برمجة مراكز استشفائية جديدة في أكادير والعيون، وتقدم الأشغال في مستشفى ابن سينا بالرباط الذي سيشكل بنية صحية مرجعية على المستوى الوطني.
كما تحدث عن إطلاق مشاريع واسعة لتأهيل المستشفيات الإقليمية والجامعية وإنجاز أكثر من ألف مستوصف خلال السنوات الأخيرة، في سياق تنزيل إصلاح المنظومة الصحية وتعميم الحماية الاجتماعية.
وفي الشق الاجتماعي، أبرز الأمين العام لحزب الاستقلال أن الزيادات المقررة في الدعم المباشر ستشمل الأسر الهشة والأطفال المتمدرسين والأشخاص في وضعية إعاقة، مع رفع التعويضات الشهرية بنسب تتراوح بين 25 و33%، مؤكداً أن الهدف هو تمكين الفئات المستفيدة من تحسين أوضاعها والانتقال نحو الاستقلال الاقتصادي بدل الاتكالية.
كما أشار إلى أن الحوار الاجتماعي أسفر عن التزامات مالية بقيمة 48 مليار درهم سنوياً، تشمل الزيادات في الأجور والترقيات وتوسيع قاعدة المستفيدين من الحد الأدنى للأجر.
وفي مداخلته خلال اللقاء نفسه، اعتبر علال العمراوي، رئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، أن مشروع قانون المالية لسنة 2026 يشكل محطة مفصلية في تقييم الأداء الحكومي، مؤكداً أن الدراسة التحليلية التي يجريها الحزب تهدف إلى رصد مدى انسجام التوجهات الواردة في المشروع مع التوجيهات الملكية السامية وبرنامج الأغلبية.
وشدد العمراوي على أن الفريق البرلماني سيقدم مقترحات وتعديلات بناءة في البرلمان من أجل تجويد النص وتحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي والحماية الاجتماعية.
وفي المقابل، قام فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب بدوره مناقشة مستجدات مشروع قانون المالية من موقع المعارضة، من خلال جلسة عمل عقدها صباح اليوم ذاته برئاسة رشيد حموني، بمشاركة عدد من الخبراء والاقتصاديين.
وتناول اللقاء مختلف الجوانب المالية والاجتماعية للمشروع، في إطار مقاربة نقدية تسعى إلى إبراز مكامن القوة والضعف في اختيارات الحكومة المالية للسنة المقبلة.
وأوضح حموني أن مشروع القانون المالي الجديد، رغم ما يتضمنه من مجهودات ميزانياتية معتبرة، لا يرقى في نظره إلى مستوى الانتظارات، مبرزاً أن المقاربات الحكومية لا تزال تكرر نماذج تدبيرية تقليدية لم تحقق أثراً اجتماعياً ملموساً خلال السنوات الأربع الماضية.
وأشار إلى أن الاستثمار العمومي، رغم ضخامته، ما زال يطرح إشكالية المردودية والتنفيذ، بينما يظل الاستثمار الخاص دون المستوى المطلوب، مؤكداً أن تحسين مناخ الأعمال ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة يمثلان أولوية حقيقية لضمان نمو مستدام.
وشدد رئيس الفريق على أن مشروع قانون المالية 2026 يحتاج إلى مراجعة عميقة في مقاربته الاجتماعية، حتى لا تظل الأرقام المالية مجرد مخصصات نظرية، داعياً إلى ربط السياسات العمومية بنتائج ملموسة على الأرض في مجالات التعليم والصحة والتشغيل.
كما أكد أن حزبه سيقدم مقترحات عملية تضمن التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة الاقتصادية، بما يعزز مسار الدولة الاجتماعية ويضمن انخراط جميع القوى السياسية في ورش الإصلاح الوطني الشامل.