"طحن الورق" يشعل جدلا سياسيا و"أونسا" تكشف معطيات التفتيش وجودة المطاحن

الكاتب : انس شريد

29 أكتوبر 2025 - 08:30
الخط :

تحول تصريح النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة، أحمد التويزي، إلى محور عاصفة سياسية وإعلامية غير مسبوقة، بعدما اتهم خلال جلسة برلمانية بعض شركات الدقيق بـ“طحن الورق وتقديمه للمواطنين على أنه دقيق مدعم”، في إشارة إلى ما وصفه باختلالات خطيرة في منظومة دعم القمح بالمغرب.

تصريحات التويزي التي أدلى بها داخل قبة البرلمان، انتشرت كالنار بالهشيم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتحولت خلال ساعات إلى قضية رأي عام، بالنظر إلى حساسية الموضوع المرتبط بالأمن الغذائي للمغاربة، وبملف الدعم العمومي الذي يشكل أحد أبرز التحديات المالية والاجتماعية التي تواجه الحكومة.

وجاءت المداخلة في سياق مناقشة نفقات الدعم الموجه للقمح، والتي تصل سنوياً إلى نحو 16.8 مليار درهم، وهو ما اعتبره البرلماني المعارض “نزيفاً مالياً” لا ينعكس بالضرورة على المستفيدين الحقيقيين من الفئات الهشة.

وقال التويزي في كلمته أمام البرلمان إن “بعض الشركات لا تقدم دقيقاً مدعماً فعلياً، بل تكتفي بما سماه طحن الأوراق فقط”، مشيراً إلى أن الدعم لا يصل إلى مستحقيه، وأن هناك “تلاعباً في منظومة التصريح والإنتاج”.

وأضاف أن هذا الوضع يمثل “إخلالاً بمبدأ العدالة في توزيع الدعم”، داعياً الحكومة إلى إعادة النظر في آليات المراقبة وربط الدعم بمستحقيه الحقيقيين من الأسر الفقيرة.

غير أن العبارة التي استخدمها النائب البرلماني سرعان ما أطلقت شرارة جدل واسع في الأوساط المهنية، إذ اعتبر عدد من الفاعلين في قطاع المطاحن أن ما ورد على لسانه “يمس بسمعة قطاع حيوي”، وطالبوا بفتح تحقيق رسمي لتحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بمعطيات واقعية أم بتعبير مجازي فُهم على نحو خاطئ.

وفي خضم هذا الجدل، اضطر المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية “أونسا” إلى الخروج عن صمته، موضحاً في بلاغ رسمي أنه يشرف بشكل منتظم على مراقبة جودة الدقيق بالمغرب، سواء من خلال منح التراخيص الصحية أو عبر الزيارات التفتيشية والمراقبة المخبرية المستمرة.

وأكد المكتب أن جميع المطاحن الصناعية المعتمدة في المملكة تخضع لترخيص صحي بعد التحقق من استيفائها لمعايير السلامة والنظافة وشروط الإنتاج والتخزين، موضحاً أن منح الترخيص يتم وفق إجراءات صارمة تشمل المراقبة الميدانية والتحاليل المخبرية.

وأفاد “أونسا” بأن مصالحه أنجزت خلال سنتي 2024 و2025 ما مجموعه 212 زيارة تفتيشية، وبلغ عدد التراخيص الممنوحة 191 ترخيصاً صحياً.

وحسب توضيح أونسا، فإنه تم أخذ مئات العينات من الدقيق لتحليلها والتأكد من مطابقتها للمعايير الوطنية، مع التركيز على الملوثات الكيميائية مثل الأفلاتوكسين والأوكراتوكسين والزيرالينون، إضافة إلى قياس نسبة البروتين والحديد والرطوبة والحموضة.

وأشار المكتب إلى أن نتائج المراقبة خلال سنتي 2024 و2025 أسفرت عن إتلاف ما مجموعه 71 طناً من الدقيق غير المطابق للمعايير، وسحب 9 تراخيص وتعليق 4 أخرى لمطاحن لم تحترم الشروط الصحية، مؤكداً أن عمليات المراقبة تشمل أيضاً الأسواق ونقاط البيع بالتنسيق مع اللجان المحلية المختصة لضمان سلامة المستهلك.

وأمام اتساع دائرة التأويلات التي رافقت تصريحه، أصدر أحمد التويزي بلاغاً توضيحياً للرأي العام، أوضح فيه أن المقصود بعبارة “طحن الورق” لم يكن بالمعنى الحرفي، بل ورد على سبيل التعبير المجازي المتداول في اللهجة المغربية، ويُقصد به “التلاعب في الوثائق والفواتير من أجل الحصول على الدعم العمومي”، نافياً أن يكون قد تحدّث عن خلط الورق فعلياً بالدقيق أو أي مادة غذائية أخرى.

وأكد البرلماني أن الغاية من مداخلته كانت التنبيه إلى “ضرورة مراقبة آليات صرف الدعم العمومي وضمان وصوله إلى مستحقيه الحقيقيين”، متهماً بعض الأطراف بـ“تحريف كلامه عن سياقه من أجل الإثارة الإعلامية وصنع البوز”.

وأضاف التويزي في بلاغه أن “من غير المنطقي أو الاقتصادي الحديث عن طحن الورق بالمعنى الحرفي، لأن سعر الورق أغلى من الدقيق نفسه”، مشيراً إلى أن حديثه كان يهدف إلى إثارة النقاش حول إصلاح منظومة الدعم وتوجيهه المباشر إلى الأسر الفقيرة.

كما جدد التأكيد على أنه يدافع عن ضرورة رفع الدعم التدريجي عن الدقيق وغاز البوتان، مع تعويض الأسر الفقيرة بتحويلات مالية مباشرة في إطار رؤية جديدة للعدالة الاجتماعية

وفي ظل تباين القراءات، يبقى تصريح “طحن الورق” عنواناً لأزمة أعمق تتجاوز الجدل اللغوي، لتسلط الضوء على ملف معقد يتداخل فيه الاقتصادي بالسياسي، ويتعلق بكيفية تدبير الدعم العمومي في قطاع حساس يرتبط مباشرة بأمن المواطن الغذائي وثقته في مؤسسات الدولة.

وبينما يؤكد “أونسا” التزامه الصارم بمراقبة جودة الدقيق، ويدافع البرلماني التويزي عن حسن نيته، فإن النقاش العمومي حول العدالة في الدعم والشفافية في التدبير يبدو أنه سيستمر طويلاً، في انتظار إصلاح شامل يعيد الثقة ويضمن وصول الدعم إلى من يستحقه فعلاً.

آخر الأخبار