ملف "الدقيق والورق" يواصل إشعال الجدل.. وبايتاس يؤكد: القضاء يتكفل بالتحقيق
تواصل قضية “الدقيق والورق” التي فجّرها النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة، أحمد التويزي، إحداث تفاعلات سياسية وإعلامية واسعة، بعد أن تحولت تصريحاته داخل قبة البرلمان إلى موضوع رأي عام وفتحت الباب أمام تساؤلات حادة حول شفافية منظومة دعم القمح بالمغرب.
وخلال الندوة الصحافية الأسبوعية التي تعقب اجتماع المجلس الحكومي، علّق مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، على القضية قائلاً إن “النيابة العامة تحركت في الموضوع، وهناك بحث قضائي قائم الآن يغنينا عن أي تحقيق موازٍ من طرف المصالح الحكومية”.
وأوضح بايتاس أن من الضروري “ترك المجال للجهات القضائية لتقوم بعملها في استقلال تام”، في إشارة إلى أمر الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط بفتح بحث قضائي حول ما أثير من معطيات تتعلق باحتمال خلط الورق بالدقيق.
وكان البرلماني أحمد التويزي قد فجّر الجدل حين قال، خلال جلسة تشريعية، إن بعض الشركات “تطحن الأوراق فقط وتقدمها للمغاربة على أنها دقيق مدعم”، في تعبير أثار استغراباً واسعاً واتهامات له بالإساءة إلى قطاع المطاحن، قبل أن يوضح لاحقاً أن مقصده لم يكن حرفياً بل مجازياً، مشيراً إلى “تزوير الفواتير واستغلال الدعم العمومي من قبل بعض الفاعلين”.
تصريحات التويزي، التي جاءت في سياق مناقشة ميزانية الدعم المخصصة للقمح والتي تقدر بنحو 16.8 مليار درهم سنوياً، سرعان ما تحولت إلى كرة ثلج سياسية، حيث تداولها الرأي العام عبر المنصات الاجتماعية بشكل واسع، بالنظر إلى حساسية الموضوع المرتبط بالأمن الغذائي والدعم الحكومي الموجه للفئات الهشة.
وقال التويزي حينها إن “الفساد في هذا الملف يشكل نزيفاً مالياً خطيراً”، داعياً الحكومة إلى “إعادة النظر في آليات المراقبة وربط الدعم بمستحقيه الحقيقيين”.
في المقابل، ردّ مهنيون في قطاع المطاحن على هذه التصريحات معتبرين أنها “تمسّ بسمعة قطاع حيوي يشتغل وفق معايير دقيقة”، وطالبوا بفتح تحقيق رسمي لتبيان حقيقة ما ورد على لسان البرلماني، مشددين على أن مثل هذه التصريحات “تضر بثقة المستهلكين وتخلق بلبلة في السوق الوطنية”.
وتفاعلاً مع الجدل المتصاعد، أصدر المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (أونسا) بلاغاً رسمياً أكد فيه أن جميع المطاحن الصناعية المعتمدة تخضع لترخيص صحي بعد التأكد من احترامها لشروط السلامة والجودة.
وأوضح المكتب أنه أنجز خلال سنتي 2024 و2025 ما مجموعه 212 زيارة تفتيشية، وأسفر ذلك عن سحب 9 تراخيص وتعليق 4 أخرى وإتلاف أكثر من 71 طناً من الدقيق غير المطابق للمعايير الوطنية. كما أبرز أن المراقبة تشمل التحاليل المخبرية المنتظمة لرصد الملوثات الكيميائية وضمان مطابقة نسب البروتين والرطوبة والمعادن للمواصفات المعتمدة.
وبين التوضيحات الرسمية والمواقف السياسية، يتضح أن القضية تجاوزت حدود التصريح البرلماني لتفتح نقاشاً أعمق حول شفافية تدبير الدعم العمومي وعدالته، خصوصاً في ظل الدعوات المتكررة لإصلاح شامل لمنظومة الدعم وتحويلها نحو التحويلات المالية المباشرة للأسر ذات الدخل المحدود.
وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات القضائية الجارية، تبقى عبارة “طحن الورق” رمزاً لأزمة ثقة تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد، وتختبر مدى صلابة آليات المراقبة والمساءلة في واحد من أكثر القطاعات حساسية في المغرب، حيث يتقاطع الأمن الغذائي مع العدالة الاجتماعية ومعركة استرجاع ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.