بين الوثائق الأجنبية واتهام “الزور”.. تطورات جديدة في ملف “إسكوبار الصحراء”
تتواصل أمام غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء جلسات محاكمة المتابعين في ما أصبح يُعرف إعلامياً بملف “إسكوبار الصحراء”، الذي يُعد من أكثر القضايا القضائية تعقيداً وإثارة في السنوات الأخيرة، بالنظر إلى ما يتضمنه من تشعبات تمتد إلى مجالات المال والسياسة والرياضة.
ويتابع في هذا الملف ما يقارب خمسةً وعشرين متهماً، من بينهم برلمانيون ومسؤولون سابقون ورجال أعمال، يواجهون تهماً ثقيلة تتعلق بتكوين شبكة دولية للاتجار في المخدرات وتبييض الأموال واستغلال النفوذ.
وخلال الجلسة المنعقدة يوم الخميس بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، تقدمت هيئة دفاع أحد المتهمين الرئيسيين في الملف بملتمس إلى هيئة الحكم يقضي بوضع الشاهد الرئيسي رهن الحراسة النظرية، معتبرة أن الشهادة التي أدلى بها أمام المحكمة تتضمن معطيات وصفها الدفاع بأنها “غير صحيحة” وتتناقض مع وثائق رسمية.
وأوضح الدفاع أن الشاهد كان يشتغل سابقاً سائقاً خاصاً للمتهم الرئيسي الملقب بـ“المالي”، مشيراً إلى أن تصريحاته التي قدمها أمام هيئة الحكم لا تتوافق مع تواريخ وأحداث موثقة.
واستند الدفاع في ملتمسه إلى وثيقة صادرة عن جهة قضائية أجنبية، قال إنها تفيد بوجود الشاهد رهن الاعتقال في موريتانيا خلال الفترة التي تحدث عنها في شهادته، وهو ما اعتبره تناقضاً جوهرياً ينسف مصداقية أقواله أمام المحكمة المغربية.
وأكد الدفاع أن الواقعة المرتبطة بتهريب المخدرات والرشوة تعود إلى تاريخ 22 شتنبر 2016، وهو التاريخ الذي كان فيه الشاهد، بحسب الوثيقة، قيد الاعتقال في الخارج.
من جهتها، تفاعلت النيابة العامة مع هذا الملتمس موضحة أن الوثيقة المقدمة تثير ملاحظات شكلية وموضوعية، وترى أنها لا تتوفر على الصيغة التنفيذية التي تخول اعتمادها كحكم قضائي نهائي، مشيرة إلى أن المحاكم الأجنبية لا يمكن الأخذ بأحكامها داخل المغرب إلا وفق الإجراءات القانونية المعمول بها، وبعد التأكد من صدور حكم نهائي قابل للتنفيذ.
وأوضحت النيابة العامة أن الوثيقة المذكورة لا تتضمن تاريخ الإفراج عن الشاهد، وأنها صدرت في جلسة حضرها المتهم الرئيسي دون باقي المتهمين، ومن بينهم الشاهد المعني.
كما شددت النيابة العامة على أن شهادة الشاهد المعني أمام المحكمة المغربية تبقى سليمة من الناحية الشكلية والقانونية، ولم يشبها أي عيب يبرر اتخاذ إجراء الحراسة النظرية في حقه، ملتمسة من هيئة الحكم رفض الطلب المقدم من طرف الدفاع.
وفي الوقت نفسه، أكدت النيابة العامة أن أي وثائق أجنبية لا يمكن اعتمادها في الملف إلا إذا كانت مطابقة للأصول ومصحوبة بنسخة تنفيذية تحمل الطابع القضائي الرسمي.
وقد تمسكت هيئة الدفاع بطرحها مؤكدة أن الشاهد كان معتقلاً خلال الفترة التي زعم فيها أنه كان متواجداً في المغرب، مضيفة أن تناقض تصريحاته أمام المحكمة مع ما ورد في الوثائق يثير الشكوك حول مدى صحة أقواله، وملتمسة من المحكمة اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة للتحقق من هذه الوقائع.
وأشار الدفاع إلى أن الشاهد قال في إفادته إنه كان يقيم في فيلا تابعة للمتهم الرئيسي بحي كاليفورنيا في الدار البيضاء خلال صيف 2016، فيما تشير الوثائق إلى أنه كان وقتها رهن الاعتقال في الخارج، وهو ما اعتُبر دليلاً على تضارب زمني واضح.
وفي معرض مناقشة هذه النقطة، أكدت النيابة العامة من جديد أن الوثيقة محل الجدل لا تحمل الطابع الأصلي ولا الصيغة التنفيذية اللازمة لاعتمادها كدليل قضائي، واعتبرتها “صورة غير مصادق عليها” لا يمكن بناء أي إجراء تقييدي للحرية على أساسها.
وأضافت أن ما قدمه الدفاع لا يرقى إلى مرتبة حكم قضائي مكتمل الشروط القانونية، وبالتالي لا يمكن أن يشكل سنداً لاتهام الشاهد بشهادة الزور.
وبعد مداولات مطوّلة، قررت هيئة الحكم بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء رفض الملتمس الرامي إلى وضع الشاهد رهن تدابير الحراسة النظرية، متمسكة بصحة الشهادة التي أدلى بها أمام القضاء.
وتأتي هذه التطورات في سياق جلسات متواصلة تشهدها غرفة جرائم الأموال بالدار البيضاء ضمن هذا الملف الذي ظل محور اهتمام الرأي العام الوطني، لما يتضمنه من اتهامات ثقيلة ووقائع تمتد إلى شبكات عابرة للحدود.
ويُنتظر أن تتواصل الجلسات المقبلة بالاستماع إلى باقي الشهود والمتهمين، في ظل ترقب كبير لما ستسفر عنه مرافعات الدفاع والنيابة العامة، وما إذا كانت المعطيات الجديدة ستسهم في كشف مزيد من تفاصيل هذه القضية التي شغلت الشارع المغربي وأثارت جدلاً واسعاً بين الأوساط القانونية والإعلامية.