أزمة الزيتون تفجر جدلا حادا في البرلمان.. واتهامات للوسطاء بإغراق السوق بالمضاربة
يشهد قطاع زراعة الزيتون في المغرب أزمة حقيقية تنذر بانعكاسات اقتصادية واجتماعية واسعة، بعد أن تحوّل من أحد أعمدة الفلاحة الوطنية ومصدر دخل مستقر لآلاف الأسر، إلى قطاع يئن تحت وطأة ارتفاع التكاليف، وتراجع المردودية، وتزايد الممارسات غير المشروعة التي تمس بجودة المنتوج الوطني من زيت الزيتون.
ويخشى فاعلون ومهنيون من أن يتفاقم الوضع في ظل غياب تدخل حكومي عاجل يعيد التوازن إلى سلسلة الإنتاج والتوزيع، ويحمي الفلاحين من المضاربة والاستغلال.
وعبرت فدرالية المهنيين المغاربة للزيتون أكثر من مرة عن قلقها العميق من مستقبل القطاع، داعية إلى توفير دعم مباشر للمزارعين وتحسين ظروف الإنتاج من خلال تحديث أساليب الزراعة، وإدخال تقنيات الري الذكي، واستخدام أصناف مقاومة للتغيرات المناخية والجفاف.
كما شددت الفدرالية على أهمية الاستثمار في سلاسل التثمين والتصنيع المحلي، بما يتيح خلق قيمة مضافة حقيقية ترفع من دخل الفلاح وتحافظ على جودة المنتوج المغربي في الأسواق الداخلية والخارجية.
ورغم الجهود المبذولة خلال السنوات الأخيرة عبر برامج فلاحية متعددة، فإن معطيات الميدان تكشف عن هشاشة واضحة في المنظومة، إذ يعاني المزارعون من ضعف البنية التحتية الزراعية وندرة المياه وغياب قنوات تسويقية منظمة، ما يفتح المجال أمام الوسطاء والمضاربين لاحتكار السوق ورفع الأسعار بشكل عشوائي.
وفي الوقت الذي يبيع فيه الفلاح الزيتون بثمن منخفض، تتضاعف الأسعار عدة مرات قبل أن تصل إلى المستهلك، الأمر الذي يثير غضب الفلاحين والمواطنين على حد سواء.
وفي هذا السياق، وجّه البرلماني محمد السيمو، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، انتقادات حادة خلال جلسة مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، محذراً من تداعيات الأزمة التي تضرب قطاع الزيتون ومشتقاته.
وقال السيمو إن “الفلاح يبيع الزيتون بخمسة دراهم للكيلوغرام، بينما يصل إلى المستهلك بثلاثة عشر درهماً أو أكثر”، متهماً الوسطاء المعروفين محلياً بـ“الفراقشية” بالتحكم في الأسعار وخلق فوارق كبيرة بين أسعار الإنتاج والتوزيع.
وأكد أن ضعف المراقبة وتراخي السلطات في تتبع مسار المنتوج من الحقول إلى الأسواق ساهم في تفشي الغش والمضاربة، داعياً الحكومة إلى التحرك الفوري لوضع حد لهذه الممارسات.
وشدد النائب البرلماني كذلك على ضرورة مراجعة السياسات الجمركية التي تؤثر على تنافسية المنتوج المحلي، مطالباً بوقف استيراد الزيوت والحليب من الخارج لحماية الإنتاج الوطني ودعم الفلاح المغربي، معتبراً أن “فتح الأسواق بشكل مفرط أمام المنتجات الأجنبية يقوّض جهود التنمية الفلاحية”.
ويؤكد مهنيو القطاع في أكثر من مرة، أن أزمة الزيتون في المغرب ليست ظرفية، بل نتيجة تراكم اختلالات هيكلية تمس منظومة التسويق والإنتاج والحكامة، حيث يواجه الفلاحون صعوبات في الوصول إلى التمويل والتأمين الفلاحي، إضافة إلى غياب تأطير فعال يربط بين مراحل الزراعة والجني والتصنيع والتسويق.
ويرى مراقبون أن إنقاذ القطاع يتطلب رؤية استراتيجية متكاملة تتجاوز الحلول الظرفية، من خلال تعزيز الرقابة على الأسواق، وضبط الأسعار، وتشجيع إنشاء تعاونيات وشركات فلاحية قادرة على تسويق منتجاتها مباشرة دون وسطاء، فضلاً عن تحفيز الشباب على الاستثمار في الزراعة الحديثة.
كما أن دعم البحث العلمي في المجال الفلاحي وتطوير مراكز التكوين والتأطير سيشكلان خطوة أساسية في بناء قطاع مستدام قادر على مواجهة الأزمات المناخية والاقتصادية المقبلة.
في ظل هذه التحديات، يبقى الرهان الأكبر هو إعادة الاعتبار لزراعة الزيتون كأحد أعمدة الهوية الفلاحية المغربية، وتحويلها من مصدر معاناة إلى رافعة تنموية حقيقية تسهم في خلق فرص الشغل وتحسين دخل الأسر القروية.