من مجانية التعليم العالي إلى الأداء الإجباري.. جدل رسوم التسجيل يصل قبة البرلمان
تعيش الساحة الجامعية المغربية منذ أسابيع على وقع جدل واسع أثارته قرارات عدد من الجامعات بفرض رسوم تسجيل إجبارية على الموظفين الراغبين في متابعة دراستهم العليا في أسلاك الإجازة والماستر والدكتوراه.
قرارٌ وصفه عدد من المتتبعين والفاعلين التربويين والنقابيين بأنه مساس خطير بمبدأ مجانية التعليم العمومي الذي يكفله الدستور، وتحويل تدريجي للجامعة إلى مؤسسة تجارية تربط الحق في التعلم بالقدرة على الأداء المالي.
وانتقل الجدل من أروقة الجامعات إلى قبة البرلمان، حيث وجهت النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، سؤالاً كتابياً إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار حول قانونية فرض هذه الرسوم، معتبرةً أن ما أقدمت عليه بعض الجامعات يشكل سابقة خطيرة تضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة في الولوج إلى التعليم العالي.
وأشارت التامني إلى أن المبالغ المفروضة تتراوح بين ستة آلاف وسبعة عشر ألف درهم، بحسب السلك الجامعي، وهو ما يمثل عبئاً مالياً ثقيلاً على فئة الموظفين التي تبحث عن تطوير كفاءاتها المهنية والعلمية من خلال متابعة الدراسة.
وأضافت النائبة أن هذا الإجراء يطرح تساؤلات جوهرية حول غياب أي نص تنظيمي أو تأطير قانوني يجيز فرض مثل هذه الرسوم داخل الجامعات العمومية، محذّرةً من تداعياته الاجتماعية والاقتصادية على فئات واسعة من الموظفين محدودي الدخل، الذين قد يجدون أنفسهم مضطرين للتخلي عن حلمهم في استكمال مسارهم الدراسي بسبب التكاليف الباهظة.
وأوضحت أن الخطورة تكمن في تعميم القرار دون مراعاة للقدرة الشرائية، مما يجعل موظفاً يتقاضى الحد الأدنى للأجر مطالباً بأداء ربع دخله السنوي تقريباً مقابل التسجيل الجامعي، وهو ما اعتبرته إجحافاً اجتماعياً يضرب مبدأ العدالة والمساواة.
من جهته، انضم النائب البرلماني عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عمر أعنان، إلى الأصوات الرافضة لهذا القرار، موجهاً بدوره سؤالاً كتابياً إلى الوزير المعني.
وأكد أعنان أن فرض رسوم على الموظفين الراغبين في متابعة دراستهم العليا يتنافى مع التوجهات الوطنية الداعية إلى تشجيع البحث العلمي والتكوين المستمر كركيزة أساسية للتنمية البشرية.
وشدد على أن الموظف المغربي يساهم أصلاً في تمويل التعليم العمومي من خلال الضرائب والاقتطاعات، ومن غير المنطقي أن يُطلب منه أداء مبالغ إضافية مقابل حقه في التكوين، خاصة في ظل الأجور المحدودة التي يتقاضاها أغلب العاملين في القطاعين العام والخاص.
وأشار أعنان إلى أن القرار يكرس تمييزاً طبقياً ومجالياً داخل الجامعة المغربية، لكونه لا يأخذ بعين الاعتبار التفاوت الكبير في الأجور بين القطاعات ولا الفوارق في تكاليف المعيشة بين الجهات، ما يجعله قراراً غير منصف بطبيعته.
كما حذر من أن ربط تمويل البحث العلمي بمساهمات الأفراد، بدل تعزيز الدعم العمومي أو توسيع الشراكات مع القطاعين العام والخاص، يمثل تحولاً خطيراً في فلسفة التعليم العالي، إذ يُفرغ الجامعة من بعدها الأكاديمي والاجتماعي، ويجعلها فضاءً نخبوياً لا يلجه سوى القادرون على الدفع.
وفي ضوء هذه المعطيات، طالب النائب الاشتراكي الوزير بالكشف عن المرجعية القانونية التي اعتمدتها الوزارة لفرض هذه الرسوم، وعن مدى توافقها مع التزامات الدولة بضمان مجانية التعليم كمبدأ دستوري واجتماعي، داعياً إلى تقييم الأثر الاجتماعي والاقتصادي لهذا الإجراء على فئة الموظفين والأجراء، خصوصاً ذوي الدخل المحدود.
كما دعا إلى البحث عن بدائل تمويلية مبتكرة لدعم البحث العلمي دون المساس بحقوق المواطنين في التعلم والتكوين المستمر.
وتأتي هذه التطورات في سياق نقاش وطني متجدد حول مستقبل التعليم العالي العمومي، وسبل تمويله، وحدود مجانية الولوج إليه.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة التزامها بتطوير منظومة التعليم والبحث العلمي، يرى مراقبون أن القرارات الأخيرة تسير في اتجاه مغاير، وتكشف عن مقاربة مالية ضيقة تُغَلّب منطق الجباية على حساب العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.