هل تضع الحكومة حدا لمعاناة المفرج عنهم مع شرط السجل العدلي في التشغيل؟
يواجه عدد كبير من المواطنين الذين سبق لهم أن قضوا عقوبات سجنية صعوبات جمّة عند محاولتهم الولوج إلى سوق الشغل، إذ يصطدمون بعائق السجل العدلي الذي يُظهر العقوبة السابقة، رغم مرور سنوات على انتهاء فترة السجن واستفادتهم من برامج التأهيل والإصلاح.
هذا العائق لا يقتصر على المؤسسات الرسمية فقط، بل يشمل أيضًا الشركات الخاصة ومراكز التكوين المهني، حيث غالبًا ما تُرفض طلباتهم أو يُتعامل معهم بحذر مفرط، مما يُبقيهم على هامش الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ويكرس واقع الإقصاء والتمييز ضدهم.
وتترتب عن هذه الصعوبات آثار نفسية واجتماعية عميقة، إذ يشعر المفرج عنهم بأن المجتمع لا يمنحهم فرصة حقيقية لبدء حياة جديدة، فيفقد كثيرون منهم الثقة في أنفسهم وفي إمكانية اندماجهم من جديد في بيئة العمل.
هذا الواقع دفع عدداً من النواب البرلمانيين إلى إثارة الموضوع داخل قبة البرلمان، حيث وجّه النائب عبد الحق شفيق خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، سؤالاً مباشراً إلى وزير العدل عبد اللطيف وهبي، مفاده أن استمرار اشتراط السجل العدلي النظيف في مختلف مناصب العمل يُعد نوعاً من العقاب الاجتماعي الذي يتواصل حتى بعد تنفيذ العقوبة القانونية، داعياً إلى مراجعة هذا الشرط وتمكين هؤلاء الأشخاص من حقهم في العمل والاندماج داخل المجتمع.
وخلال الجلسة نفسها، شدد شفيق على أن إعادة الإدماج تُعتبر جزءاً أساسياً من مفهوم العدالة الإصلاحية، داعياً إلى اعتماد مقاربة قانونية وإنسانية متوازنة تراعي مصلحة المجتمع وأيضاً حق الأفراد في التوبة وبداية جديدة.
وأبرز أن فلسفة العقوبة في حد ذاتها لا يجب أن تكون انتقامية، بل تهدف إلى الإصلاح وإعادة بناء المواطن ليصبح عنصراً فاعلاً في التنمية.
في معرض رده، أعلن وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن توجه وزارته نحو إحداث تغيير جوهري في نظام السجل العدلي، يتيح للمستفيدين من برامج التأهيل والإدماج داخل المؤسسات السجنية الحصول على شهادة سوابق عدلية لا تتضمن العقوبة التي قضوها، شريطة ألا يعودوا إلى ارتكاب أي جريمة جديدة.
وأوضح الوزير أن هذه الخطوة تهدف إلى تمكين السجناء السابقين من الولوج إلى سوق الشغل بشكل طبيعي، وتيسير اندماجهم الاجتماعي والاقتصادي دون أن يظلوا أسرى الماضي.
وأضاف وهبي أن الوزارة تعمل على رقمنة هذه العملية بشكل متكامل، بحيث يُمكن للنظام المعلوماتي أن يحذف العقوبة تلقائياً من السجل العدلي بعد مرور مدة محددة من الزمن، إذا لم يُسجَّل على المواطن أي خرق جديد للقانون.
وأشار إلى أن المستفيدين من العقوبات البديلة سيُمنحون كذلك حق الرد الاعتباري بشكل أوتوماتيكي، في إطار إصلاح شامل للمنظومة القانونية المرتبطة بالسوابق العدلية.
كما كشف الوزير عن مشروع لإحداث مركز جهوي خاص بالسوابق العدلية في مدينة الدار البيضاء، ستكون مهمته تصحيح السجلات وتتبع آليات التنفيذ ومراقبة سير العملية، مؤكداً أن عدداً من المواطنين ما زالوا يعانون من آثار عقوبات مضى عليها أكثر من عشرين سنة، رغم أنهم اندمجوا منذ زمن في المجتمع ولم يرتكبوا أي مخالفة جديدة.
ويُعد هذا التوجه خطوة مهمة نحو ترسيخ مبدأ العدالة الإصلاحية، التي تقوم على منح فرصة ثانية لكل من أنهى عقوبته وأثبت حسن سلوكه.
غير أن نجاح هذا المشروع يظل رهيناً بتغيير النظرة المجتمعية تجاه المفرج عنهم، وإشراك القطاعين العام والخاص في تبني مقاربة إدماجية شاملة، تُعيد لهؤلاء المواطنين الثقة في ذواتهم وتُسهم في الحد من معدلات العود إلى الجريمة.