تفاقم الفساد يشعل زوبعة في البرلمان.. ومطالب بتفعيل مبدأ “من أين لك هذا؟”
لا يزال ملف الفساد في المغرب يشكل أحد أكثر القضايا إثارة للجدل والنقاش بين مختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والمجتمعيين، في ظل استمرار التباين في تقييم الجهود الحكومية الرامية إلى محاصرته وتقليص آثاره.
فبينما تؤكد الحكومة أن مسار الإصلاح يسير في الاتجاه الصحيح وأن هناك تقدماً ملموساً في تقوية منظومة النزاهة، ترى المعارضة وجزء واسع من المجتمع المدني أن الفساد ما زال متغلغلاً في البنية الإدارية والاقتصادية، بما يضعف ثقة المواطنين في المؤسسات ويحد من جاذبية البلاد للاستثمار.
وشهدت لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، اليوم الأربعاء، نقاشاً حاداً حول واقع الفساد في المغرب خلال مناقشة الميزانية الفرعية للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، حيث طغى القلق من تراجع مؤشرات الشفافية على مجريات الجلسة، وسط تبادل للاتهامات بين ممثلي الحكومة والبرلمانيين بشأن فعالية السياسات المتبعة لمحاربة الفساد.
وفي عرضٍ أمام اللجنة، كشف أحمد العمومري، الأمين العام للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أن مؤشرات الفساد في المغرب ما تزال “مقلقة جداً”، مشيراً إلى أن مؤشر إدراك الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية سجل تراجعاً واضحاً خلال السنوات الأخيرة، إذ انتقل من 43 نقطة سنة 2017 إلى 37 نقطة حالياً.
وأوضح أن هذا التدهور في الترتيب العالمي يعكس خللاً هيكلياً في منظومة تنفيذ القوانين والاستراتيجيات، رغم وفرة النصوص والإصلاحات التشريعية.
وقال العمومري إن “التحدي لم يعد في إصدار القوانين ولا في صياغة الاستراتيجيات، بل في ضمان فعاليتها العملية على أرض الواقع، وقدرتها على التأثير في سلوك المؤسسات والإدارات العمومية”.
وأضاف أن عدداً من القوانين لا تزال غير مفعّلة بسبب غياب المراسيم التطبيقية، وهو ما يجعل أثرها محدوداً رغم أهميتها.
ودعا الأمين العام إلى إحداث لجان وطنية لليقظة والتتبع تُعنى بمراقبة مؤشرات الفساد ورصد التطورات الميدانية، مذكّراً بتجربة ناجحة سابقة على مستوى رئاسة الحكومة ساهمت في تحسين ترتيب المغرب دولياً خلال فترة وجيزة.
كما شدد على ضرورة تفعيل الحق في الحصول على المعلومات بشكل فعلي، مؤكداً أن تطبيق هذا القانون لا يزال يواجه عراقيل في الولوج إلى المعطيات ونشرها بانتظام.
العمومري أكد كذلك أن الهيئة تعمل على تتبع وتقييم الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد (2015-2025)، وأن نتائج هذا التقييم ستُعلن قريباً، موضحاً أن بعض التقدم تحقق، لكنه “ما زال دون مستوى الطموحات المعلنة”.
وأضاف أن المغرب يتوفر على معطيات مهمة حول مجالات الفساد، غير أن الإشكال يكمن في ضعف التنسيق بين المؤسسات وعدم الاستفادة من المعلومات المتاحة بالشكل المطلوب.
في المقابل، عبّر عدد من البرلمانيين عن انتقادات حادة للحكومة وللجهات المسؤولة عن تنزيل الاستراتيجيات، معتبرين أن الجهود المبذولة “شكلية وغير كافية”.
ودعا النائب نور الدين مضيان عن الفريق الاستقلالي إلى “محاربة الفساد الكبير في الصفقات العمومية”، معتبراً أن الرشوة الصغيرة “ليست هي المشكل الحقيقي”، بل تلك المرتبطة بالمشاريع الكبرى والصفقات التي “تُمنح مقابل رشاوى ضخمة تضرب مبدأ المنافسة الشريفة”.
وطالب مضيان بوضع كاميرات مراقبة في الإدارات العمومية لتعزيز الشفافية، كما دعا إلى تفعيل مبدأ “من أين لك هذا؟” لمساءلة المسؤولين الذين تتضخم ثرواتهم بشكل غير مبرر.
وانتقد ما وصفه بـ“غياب الحزم في محاسبة من يسيئون تدبير المال العام”، مؤكداً أن “الفساد لا يُواجه بالشعارات بل بإرادة سياسية حقيقية ومساءلة فعلية”.
من جانبه، وجه الحسن لشكر، النائب البرلماني عن الفريق الاشتراكي، انتقادات لاذعة للحكومة، متهماً إياها بغياب الإرادة السياسية في محاربة الفساد منذ توليها المسؤولية.
وقال لشكر إن سحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع دون تقديم بديل “يمثل تراجعاً خطيراً عن مكتسبات سابقة في مجال تخليق الحياة العامة”، مضيفاً أن اللجنة الوطنية لمحاربة الفساد “ظلت معطلة لما يزيد عن أربع سنوات ولم تعقد أي اجتماع”، وهو ما اعتبره “دليلاً على غياب الجدية في معالجة الملف”.
أما البرلمانية عائشة الكوط عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، فقد انتقدت ما وصفته بـ“تساهل المجتمع مع ظاهرة الرشوة”، مشيرة إلى أن بعض الأمثال الشعبية مثل “دهن السير يسير” تكرس ثقافة التطبيع مع الفساد.
ودعت إلى اعتماد مقاربة شمولية تشمل التعليم والإعلام والمجتمع المدني، معتبرة أن “القانون وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه وعي جماعي يرفض الفساد بجميع أشكاله”.
كما حذرت الكوط من التضييق على الجمعيات المدنية في المقتضيات الجديدة للمسطرة الجنائية، معتبرة أن منع الجمعيات من التبليغ عن حالات الفساد “يتعارض مع مبدأ المشاركة المجتمعية في تخليق الحياة العامة”.
الجلسة، التي استمرت لساعات، أظهرت حجم التباين في الرؤى بين مكونات الأغلبية والمعارضة، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن إجماع ضمني على أن الجهود المبذولة لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب.
وبينما تستعد الهيئة الوطنية للنزاهة للإعلان عن نتائج تقييم الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، بدا واضحاً أن البرلمان يطالب بإصلاحات أعمق وتفعيل أقوى للقوانين، في انتظار خطوات عملية تعيد ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة وتُترجم الخطاب الرسمي حول النزاهة إلى واقع ملموس.