حينما يدس علي أنوزلا السم في الوحدة الوطنية
سمير الحيفوفي
"التمغرابيت" لا تقبل القسمة، فكما أنها تفيد بالانتماء الصادق ولا تشي بالمجاملة، فحتما هي قبل كل شيء تعني الولاء للوطن لا لغيره، لكن كيف العمل في زمن التبس فيه كل شيء؟ حتى صار البعض يتحدث عن الوطن كما يتحدث السائح عن بقعة مر بها مرور الكرام، مثلما هو الشأن بالنسبة لعلي أنوزلا.
إنها ولا شك من عاديات الزمن، أن يحاضر "علي أنوزلا" ويتحدث عن اللحمة الوطنية، وهو يختصر الوحدة في العفو عن أولئك الذين أجرموا في حق هذه البقعة الطاهرة التي تسمى المغرب ويفتديها أبناؤها بدمائهم، وكأن به لم يكن يوما ممن تربصوا بوحدتهم وانتصب منافحا عن ذلك بالكلمة والموقف على حد السواء.
وإنه لمبعث للتقزز أن يتحول من استكثر على نفسه وصف الصحراء بكونها مغربية، إلى واعظ في حب الوطن الممتد من طنجة إلى الگويرة، متناسيا أن قرار مجلس الأمن 2797/2025، الذي يجب ما قبله من غموض في حب الوطن، إنما زاده تيها، وجعله يتوغل أكثر في سعيه للنيل من هذا الوطن وتبخيسه.
فكيف لمن جرد الصحراء من نعتها الطبيعي، أن يتحدث عن حوزة الوطن ووحدة ترابه النفيس؟ وأن يفتي في "الوحدة" وفي وجوب الصفح عن من أساؤوا إليه، أو ليست أول مسلمة في الوطنية تتوضع في الدفاع عن مغربية الصحراء بلا مواربة ولا ترك للحبل على الغارب لفتح باب التأويل.
ثم مما لا شك فيه، أن ما عرج عليه علي أنوزلا وهو يفدع الكلام عن "الوحدة"، ليس غير فصل صارخ من فصول التضاد والتناقض الذي جبل عليه، وهو الذي اختزل الوطن في الأشخاص، وفي العفو والصفح عن الجرائم التي اقترفوها في حقه، في دعوة غير ملتبسة إلى التساهل مع معيثي الفوضى.
ولربما يغيب عن علي أنوزلا، ما يلزم تذكيره به في اللحظة والحين، إن الوحدة التي يقصدها المغاربة ويعنونها لا تتجسد في قلب الصفحة وغض الطرف عن المجرمين، بمعنى واضح لا مصالحة مع من دنسوا الوطن ونكلوا بأبنائه، وحرضوا على سفك دمائهم والتمثيل بجثتهم.
فهل يحتاج علي أنوزلا للتذكير بما تختزله أحداث "إكديم إيزيك"؟ التي ورغم مرور السنين لا تزال مشاهدها الدموية عالقة في الأذهان، بأنها ندوب لجراح لم تندمل ولم تبرأ في جسد الوطن، لكن ماذا دهاه ليصر على القفز على الحقائق، وعلى تسويغ العنف باسم تحت يافطة "الرأي"؟
ثم هل من الوطنية أن يستمر علي أنوزلا، في ترويع أسر الشهداء ونكأ جراحهم بدفاع أعمى عن قتلتهم؟ لذلك وله يقال لا مصالحة مع القتلة، ومن غرزوا سكاكينهم المسمومة في خاصرة الوطن، أما وحدة التراب التي ينشدها المغاربة فهي أسمى من أن يفهمها أي كان وهي المصير المشترك تحت سماء واحدة وأرض واحدة تصدح بشعار واحد وخالد الله، الوطن، الملك.
لكل هذا إن "عيد الوحدة" الذي يحتفي به المغاربة اليوم، بقرار ملكي سام، ليس مناسبة لفتح دفاتر الماضي الأسود للطابور الخامس، بل هو احتفاء بصلابة الدولة والمجتمع في وجه دعاة التشرذم والبلقنة، وبقدرة المغرب على تحويل الألم إلى أمل، أما من باع موقفه ذات يوم، فلا يحق له أن يزايد على المغاربة في حبهم لوطنهم.