“فرصة” أمام المحاكم و“أوراش” بدون أثر.. المعارضة تتهم الحكومة بإجهاض آمال الشباب
تتواصل الانتقادات الموجهة إلى الحكومة المغربية بشأن تدبيرها لملفات التشغيل والاستثمار، في ظل ارتفاع معدلات البطالة رغم تعدد البرامج والمبادرات التي أطلقت خلال السنوات الأخيرة.
ورغم أن الحكومات المتعاقبة وضعت على رأس أولوياتها معالجة معضلة البطالة، إلا أن أغلب البرامج المعلنة فشلت في تحقيق أهدافها المتمثلة في توفير فرص شغل مستدامة وتوزيعها بعدالة بين مختلف فئات الشباب وحاملي الشهادات، ما دفع العديد من المهتمين بالشأن الاقتصادي والاجتماعي إلى المطالبة بتدخل خبراء وموجهين اجتماعيين لمواكبة المستفيدين من هذه البرامج وتوجيههم نحو مسارات إنتاجية أكثر نجاعة.
خلال مناقشة مشروع الميزانية الفرعية لوزارة الاقتصاد والمالية داخل مجلس النواب هذا الأسبوع، وجهت فرق المعارضة، خصوصاً حزب العدالة والتنمية، انتقادات حادة للحكومة، معتبرة أن السياسات العمومية في مجال التشغيل والاستثمار لم تحقق النتائج المرجوة رغم الموارد المالية الضخمة المرصودة لها.
وقد ركزت مداخلات النواب على غياب الأثر الملموس لهذه البرامج على أرض الواقع، وضعف المردودية الاقتصادية والاجتماعية للاستثمارات العمومية التي يفترض أن تخلق مناصب شغل وتنعش الاقتصاد الوطني.
عبد الله بوانو، رئيس الفريق النيابي لحزب العدالة والتنمية، اعتبر أن برامج دعم الاستثمار تعاني من اختلالات عميقة رغم تخصيص غلاف مالي مهم يناهز 18 مليار درهم لتشجيع المقاولات الوطنية. وأوضح أن استمرار ضعف الأثر الميداني لهذه المخصصات المالية يثير أسئلة مشروعة حول طرق تدبيرها ومدى فعاليتها.
كما انتقد تأخر الحكومة في إصدار القرارات التنفيذية الخاصة بدعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة رغم جاهزية المراسيم المنظمة منذ شهور، مشيراً إلى أن اللجان المختصة تم تشكيلها، غير أن التنفيذ ظل متعثراً بشكل غير مبرر.
وفي السياق ذاته، توقف بوانو عند صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، مؤكداً أن الأرقام التي تتحدث عنها الحكومة بشأن الاستثمارات الكبرى لا تعكس دينامية اقتصادية حقيقية، إذ تظل نسب التمويل المعلنة شبه ثابتة منذ سنوات، من بينها 45 مليار درهم من الصندوق و22 ملياراً من الجماعات الترابية، دون نتائج ملموسة على مستوى النمو أو التشغيل.
كما وجه بوانو انتقادات لاذعة إلى توقف برامج التشغيل التي أطلقتها الحكومة السابقة، متهماً السلطة التنفيذية الحالية بإقبار مشاريع وُصفت حين إطلاقها بالطموحة، مثل برنامج "فرصة" الذي انتهى دون تحقيق نتائج مستدامة، بعدما وجد عدد من المستفيدين أنفسهم عاجزين عن تسديد الديون التي حصلوا عليها لتمويل مشاريعهم الصغيرة.
وأشار إلى أن البرنامج الملكي “انطلاقة”، الذي أحدث زخماً كبيراً عند إطلاقه، عرف تراجعاً ملحوظاً في وتيرة دعمه، رغم استمرار الطلب القوي من طرف الشباب والمقاولين الجدد.
وفي حديثه عن برنامج “أوراش”، الذي خصصت له الحكومة ميزانية تناهز مليارين ونصف المليار درهم، أكد بوانو أن نتائجه كانت ظرفية ومؤقتة، إذ لم تفرز فرص عمل دائمة أو ذات أثر اجتماعي مستمر، معتبراً أن غياب المراقبة والمواكبة أدى إلى اختلالات عديدة وانعكس سلباً على ثقة الشباب في البرامج الحكومية.
وأضاف أن بعض المستفيدين من “فرصة” وجدوا أنفسهم أمام المتابعات القضائية بسبب إخفاقهم في تنفيذ المشاريع وفق الشروط المطلوبة، وهو ما يبرز فشل المقاربة الحكومية في المرافقة الحقيقية والتقييم المستمر.
ودعا بوانو في ختام مداخلته إلى مراجعة شاملة لسياسات التشغيل والاستثمار بالمغرب، والانتقال من الخطاب إلى الفعل عبر آليات شفافة وواضحة، قادرة على ضمان تكافؤ الفرص وتحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع فرص الشغل.
من جهتها، تناولت النائبة عائشة الكوط، عن حزب العدالة والتنمية، موضوعاً آخر لا يقل حساسية، حيث سلطت الضوء على ملف إعادة إعمار المناطق المنكوبة بإقليم الحوز بعد الزلزال المدمر، مؤكدة أن الوضعية الحالية لعدد من الأسر المتضررة ما تزال بعيدة عن المستوى المطلوب.
وأشارت إلى أن آلاف المواطنين لا يزالون يعيشون في الخيام رغم مرور عدة أشهر على الكارثة، وهو ما اعتبرته مؤشراً على بطء التعاطي الحكومي مع هذا الملف الإنساني والاجتماعي الحساس.
وأكدت الكوط أن هناك اختلالات واضحة في عملية الإحصاء وصرف الدعم المخصص للأسر المتضررة، مشددة على ضرورة مراجعة المعايير وضمان الشفافية في التوزيع، مع إطلاق مشاريع تنموية مستدامة تعيد للمنطقة حيويتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
كما نبهت إلى ما وصفته بعودة ممارسات “الزبونية” في بعض برامج إعادة الإعمار، ما قد يقوض الثقة في الجهود الحكومية ويعمق الإحساس بالتهميش لدى الساكنة المحلية.
وتبرز هذه الانتقادات المتتالية حجم التحديات التي تواجهها الحكومة في تحقيق وعودها المتعلقة بالتشغيل والاستثمار والتنمية المحلية.
فرغم تعدد البرامج والمخططات، فإن الواقع الاقتصادي والاجتماعي يثبت أن نسب البطالة ما تزال مرتفعة، وأن العديد من الشباب يعانون من صعوبات حقيقية في الولوج إلى سوق الشغل أو الاستفادة من الدعم العمومي بشكل منصف.
وبينما تدافع الحكومة عن سياستها وتعتبر أن الإصلاحات تحتاج إلى وقت لإعطاء ثمارها، يرى معارضوها أن المشكل أعمق ويتعلق بغياب رؤية متكاملة قائمة على الشفافية والفعالية والمساءلة.