إصلاح التقاعد في المغرب.. معركة بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية
في ظل سياق اجتماعي واقتصادي يزداد تعقيدًا، يعود ملف إصلاح أنظمة التقاعد في المغرب إلى صدارة النقاش العمومي، باعتباره أحد أكثر الملفات استعصاءً في العلاقة بين الحكومة والبرلمان والنقابات، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من اقتراب لحظة العجز المالي للصناديق التقاعدية وعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه مئات الآلاف من المتقاعدين.
وبين دعوات للإصلاح العاجل ومخاوف من المساس بالحقوق المكتسبة، تتعدد المواقف وتتصارع الرؤى حول الطريق الأمثل لإنقاذ منظومة التقاعد الوطنية.
خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026 داخل لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، هذا الأسبوع، أكد الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، أن الحكومة “تتعامل بجدية ومسؤولية مع هذا الملف الحساس”، مشيرًا إلى أن الواقع الحالي لا يرضي أحدًا.
وقال لقجع في تصريح لافت: “ماكاينش شي مغربي يقول لك عاجبني داكشي اللي كنشد في التقاعد”، في إشارة إلى ضعف المعاشات التي يحصل عليها معظم المتقاعدين، باستثناء فئات محدودة كانت تشتغل في القطاع الخاص بأجور مرتفعة.
وأوضح المسؤول الحكومي أن الحكومة منكبة على بلورة إصلاح شامل ومتوازن يهدف إلى تحسين وضعية المتقاعدين وضمان استدامة الصناديق، مؤكداً أن الغاية ليست “تعديل أرقام في الجداول أو سن قوانين جديدة”، بل إحداث تحول جوهري في طريقة تدبير أنظمة التقاعد، يضمن حياة كريمة للمتقاعدين وعدالة بين مختلف الفئات.
وشدد لقجع على أن أي إصلاح لن يكون مجديًا دون إشراك فعلي لكل المتدخلين، من نقابات وأرباب عمل وبرلمان، مع التزام الحكومة بتوفير رؤية مالية مستدامة تضمن استمرار المعاشات في المدى المتوسط والبعيد.
في المقابل، لم تمر مناقشة الملف دون سجال سياسي قوي داخل البرلمان. فقد وجه عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، انتقادات لاذعة للحكومة، متهمًا إياها بـ”التخبط في تدبير الملفات الاجتماعية” و”خرق مقتضيات الدستور والقانون التنظيمي للمالية”.
وأضاف النائب البرلماني أن “فتح هذه الاعتمادات بشكل سنوي يثبت غياب الشجاعة السياسية لإصلاح الملفات الكبرى، ومنها ملف التقاعد”، متسائلًا عن سبب عدم توجيه هذه الاعتمادات لدعم الصناديق المهددة بالعجز بدل ضخها في مؤسسات أخرى.
وأشار إلى أن فئة المتقاعدين “لم تستفد شيئًا يُذكر” في ظل الحكومة الحالية، بالرغم من تدهور القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، محمّلًا السلطة التنفيذية مسؤولية التأخير في إطلاق الإصلاح الحقيقي.
من جهتها، قدّمت النائبة البرلمانية خديجة الزومي عن حزب الاستقلال رؤية مغايرة، معتبرة أن “مفتاح الحل يكمن في تعزيز التشغيل وليس فقط في رفع سن التقاعد أو تعديل الحقوق”.
وشددت على أن توسيع قاعدة المساهمين من خلال التوظيف في القطاعات الحيوية هو السبيل الواقعي لضمان استدامة الصناديق، داعية إلى “الاستثمار في الإنسان قبل تعديل النصوص”.
وفي السياق نفسه، سبق كشفت المذكرة التقديمية لمشروع قانون المالية لسنة 2026 أن الحكومة استأنفت الأشغال التحضيرية لإصلاح أنظمة التقاعد، بعد توقف دام لسنوات.
وأفادت المذكرة أن اللجنة الوطنية المكلفة بهذا الملف عقدت اجتماعها الأول في يوليوز 2025 لتحديد المنهجية الجديدة، حيث تم تكليف لجنة تقنية بإعداد تصور مفصل للإصلاح اعتمادًا على مقاربة تشاركية، تراعي التوازن بين الإنصاف الاجتماعي والاستدامة المالية.
وتشير المعطيات الحكومية إلى أن المخطط المطروح يرتكز على إرساء منظومة مزدوجة تتوزع بين قطب عام وآخر خاص، في أفق التوحيد الكامل للأنظمة مستقبلاً، بما يضمن الانسجام بين المعايير وتحقيق العدالة في احتساب المعاشات.
كما تراهن الحكومة على هذا الإصلاح لضمان ديمومة الصناديق في ظل تزايد الضغوط الديمغرافية وارتفاع متوسط الأعمار، وهو ما يضاعف الأعباء المالية على الدولة والمؤسسات العمومية.
وتبرز المعطيات أن اللجنة التقنية مطالبة برفع نتائج عملها إلى اللجنة الوطنية قبل أبريل 2026، تمهيدًا لمرحلة إعداد النصوص التشريعية والتنظيمية التي ستُعرض على البرلمان خلال النصف الأول من السنة المقبلة، في خطوة تعتبر حاسمة لتحديد مستقبل منظومة التقاعد بالمغرب.