من المسيرة الخضراء إلى مسيرة التنمية: من تحرير الأرض إلى بناء الإنسان
أمينة المستاري
في السادس من نونبر سنة 1975، دون المغرب واحدة من أروع صفحات تاريخه الحديث، حين تحولت الصحراء إلى مسرح لأضخم مسيرة سلمية في القرن العشرين.
خرج أكثر من 350 ألف مغربي ومغربية، من كل الجهات والأعمار، يحملون المصحف الشريف والعلم الوطني، مسالمين، متوجهين نحو الجنوب استجابة لنداء الحسن الثاني "نداء الوطن".
كانت المسيرة الخضراء تجسيدا عميقا لإرادة أمة آمنت بحقها في أرضها، واختارت أن تنتصر بالعزيمة والوحدة وليس بالعنف والسلاح.
لم تكن تلك المسيرة مجرد حدث سياسي أو مناورة دبلوماسية، بل كانت ملحمة وطنية جسدت التلاحم بين الملك والشعب، ورسخت مفهوم السيادة المستمدة من الشرعية التاريخية والإجماع الشعبي.
لقد أعادت الصحراء إلى حضن الوطن، وأكدت للعالم أن المغرب لا يستسلم، بل يبتكر سبل النضال السلمي دفاعا عن وحدته الترابية، ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت المسيرة الخضراء رمزا خالدا للوحدة والإيمان بمستقبل الوطن.
غير أن التاريخ لا يتوقف عند لحظة التحرير، فبعد استرجاع الأرض، جاء وقت تحرير الإنسان من قيود الفقر والتهميش، وجاءت مرحلة جديدة يقودها الملك محمد السادس، حملت شعارا آخر للمسيرة: مسيرة التنمية والبناء.
فمنذ اعتلائه العرش سنة 1999، أعلن الملك محمد السادس بداية عهد جديد يقوم على ترسيخ دولة الحق والتنمية الشاملة، أدرك أن السيادة على الأرض تكتمل فقط بسيادة العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، فكانت برامجه ومشاريعه استمرارا لروح المسيرة الخضراء، ولكن بأدوات مختلفة، أكثر هدوءا وإنجازا.
أطلق جلالته المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، باعتبارها ثورة اجتماعية تهدف إلى محاربة الفقر والهشاشة، وتمكين المواطن من أدوات العيش الكريم.
ثم جاءت مشاريع كبرى جسدت رؤية المغرب الحديثة: القطار فائق السرعة (TGV)، ميناء طنجة المتوسط، ومحطات الطاقة الشمسية بورزازات، التي جعلت المغرب من الدول الرائدة في الطاقة النظيفة بإفريقيا.
وفي الأقاليم الجنوبية بالذات، تجسدت الرؤية الملكية في النموذج التنموي الخاص بالصحراء، الذي أُعلن سنة 2015، وجعل من التنمية وسيلة لترسيخ الوحدة الترابية، فالموانئ الجديدة، كالداخلة الأطلسي، والمناطق الصناعية، والربط الطرقي والمطاري، لم تكن مشاريع معزولة، بل حلقات في مسار تحويل الصحراء إلى قطب اقتصادي إفريقي، وجسر للتعاون بين المغرب وعمقه الجنوبي.
ولم يقف الأمر عند الحدود الوطنية، بل امتدت مسيرة التنمية المغربية نحو إفريقيا، من خلال سياسة خارجية جديدة قوامها الشراكة الاقتصادية والتعاون جنوب-جنوب.
فعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 كانت خطوة رمزية أخرى في تأكيد حضوره القاري، ولكن هذه المرة عبر الدبلوماسية الاقتصادية والتنموية.
هكذا، تبدو المسيرتان "الخضراء والتنموية"، كصفحتين متكاملتين في كتاب واحد: كتاب المغرب الحديث: الأولى استرجعت الأرض، والثانية استثمرت فيها.
وهكذا استمر النداء الملكي في الزمن، ليؤكد أن "المسيرة لم تنتهِ بعد"، وأن طريق التنمية، مثل طريق الوحدة، يحتاج دائما إلى إيمان، وصبر، وتعبئة جماعية.
هي ببساطة، حكاية وطن يسير في خطين متوازيين: حفظ الماضي وصنع المستقبل، فإذا كانت المسيرة الخضراء قد علمتنا أن الأرض لا تسترجع إلا بالوحدة، فإن مسيرة محمد السادس تؤكد أن الكرامة لا تتحقق إلا بالتنمية، وبين المسيرتين يمتد تاريخ من النضال المستمر، عنوانه الأسمى: من تحرير الأرض إلى بناء الإنسان.