جدل مدارس الريادة يتصاعد.. اختلالات واتهامات بتجريب الإصلاح التربوي دون تقييم

الكاتب : انس شريد

10 نوفمبر 2025 - 08:30
الخط :

عاد الجدل بقوة حول مشروع “مدارس الريادة” الذي أطلقته وزارة التربية الوطنية باعتباره أحد أعمدة إصلاح التعليم العمومي بالمغرب، بعد أن كان يُنظر إليه كخطوة طموحة نحو تحديث المدرسة المغربية ورفع جودة التعلمات.

غير أن أصواتاً حقوقية وتربوية بدأت تدق ناقوس الخطر، محذّرة من انحراف المشروع عن أهدافه الأصلية وتحوله إلى تجربة فوقية تفتقر إلى الشفافية والتقييم الموضوعي.

ففي تقرير حديث، كشفت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان فرع مراكش عن مجموعة من الاختلالات البنيوية التي رافقت تنزيل المشروع على مستوى مؤسسات “الريادة”، معتبرة أن ما يجري لا ينسجم مع رؤية ديمقراطية لإصلاح التعليم، وأن المنهجية المعتمدة “تقصي الفاعلين التربويين وتكرس التمييز المؤسساتي”.

وأبرز التقرير أن التأخر الكبير في انطلاق برنامج الدعم التربوي المكثف حرم آلاف التلاميذ من أسابيع حاسمة من التعلم، بسبب غياب العدة التربوية والتجهيزات الأساسية التي يفترض أن تشكل ركائز تجربة الريادة، مثل الحواسيب المحمولة والسبورات الرقمية والوسائل الديداكتيكية الحديثة.

وأشار التقرير أيضاً إلى حالة من الارتباك في تنظيم التكوينات الموجهة للأطر التربوية، إذ تمت الدعوة إلى بعضها في أوقات غير مناسبة، دون إشعار مسبق أو توفير ظروف عمل لائقة، ما أدى إلى تعطيل السير العادي للدراسة وإثارة موجة من التذمر في صفوف الأساتذة والتلاميذ على حد سواء.

ولفتت الجمعية إلى أن هذه التكوينات اتسمت بطابعها النظري الشكلي، في غياب التأطير البيداغوجي الفعلي والتقييم المستقل لنتائجها، وهو ما أفقدها جدواها العملية.

إلى جانب الجانب الحقوقي، تفاقمت الأزمة مع انطلاق الموسم الدراسي 2025-2026 على المستوى الميداني، بعدما سجلت رابطة الكتبيين بالمغرب خصاصاً حاداً في الكتب المقررة ضمن مدارس الريادة، الأمر الذي أربك الأسر والتلاميذ وخلق سوقاً سوداء للمقررات الدراسية بأسعار مرتفعة.

وأوضحت الرابطة أن تأخر الناشرين في الطباعة والتوزيع أخلّ بالتزاماتهم القانونية وأضر بمبدأ تكافؤ الفرص، مطالبة وزارة التربية الوطنية بالتدخل العاجل لضمان تزويد المكتبات بالمقررات في الآجال المحددة وصون حقوق التلاميذ والمهنيين.

وامتد الجدل إلى المؤسسة التشريعية، حيث وجّه النائب البرلماني حسن أومريبط عن فريق التقدم والاشتراكية سؤالاً كتابياً إلى وزير التربية الوطنية، طالب فيه بتوضيحات حول أسباب نفاد الكتب المدرسية، محذّراً من “ممارسات مشينة” في قنوات التوزيع، ومنبهاً إلى أن ضعف هامش الربح المخصص للكتبيين جعل بعض الناشرين يحتكرون الكتب أو يتباطؤون في تسليمها.

كما أشار إلى أن عدداً من الأساتذة اضطروا إلى اعتماد وسائل بديلة في التدريس بسبب غياب المقررات والموارد الرقمية، مما أفرغ تجربة الريادة من مضمونها.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذه الاضطرابات يهدد بفقدان الثقة في المشروع الذي تراهن عليه الحكومة لإحداث نقلة نوعية في المدرسة العمومية، عبر ترسيخ نموذج يعتمد على الجودة والرقمنة والانفتاح على أساليب التعليم الحديثة.

غير أن التحديات المرتبطة بسوء التدبير، وضعف التنسيق بين المتدخلين، وغياب المتابعة الميدانية والتقييم المستقل، تجعل مستقبل التجربة على المحك، وتعيد إلى الواجهة السؤال الجوهري حول مدى قدرة السياسات التعليمية الحالية على ضمان تعليم منصف وجيد لجميع أبناء المغاربة.

في ظل هذا الجدل المتصاعد، تتزايد الدعوات إلى فتح تقييم وطني شامل لتجربة “مدارس الريادة”، يشارك فيه الفاعلون التربويون والحقوقيون والمجتمع المدني، بهدف تصحيح المسار وضمان أن تبقى المدرسة العمومية فضاءً للعدالة التربوية والمواطنة، لا ساحة لتجارب فوقية تفتقر إلى التخطيط والتقييم.

آخر الأخبار