بين مشاريع المليارات وانتقادات المعارضة.. التنمية بالأقاليم الجنوبية تحت المجهر البرلماني

الكاتب : انس شريد

10 نوفمبر 2025 - 07:30
الخط :

يشهد ملف التنمية والاستثمار بالأقاليم الجنوبية زخماً سياسياً واقتصادياً لافتاً، بعد أن تحوّل إلى محور نقاش برلماني حاد خلال الجلسة الشهرية لمساءلة رئيس الحكومة بمجلس النواب، حيث قدم عزيز أخنوش عرضاً مطولاً حول حصيلة النموذج التنموي الخاص بهذه الجهات، في مقابل انتقادات قوية من المعارضة، التي اعتبرت أن الأرقام الحكومية لا تعكس واقع الفوارق المجالية ولا تلبي انتظارات الساكنة في الجنوب المغربي.

وأكد رئيس الحكومة، أن الأقاليم الجنوبية تعيش اليوم مرحلة جديدة من التحولات النوعية بفضل الرؤية الملكية الاستباقية، التي جعلت من هذه الجهات نموذجاً فريداً للتنمية المتكاملة.

وأوضح أن التكلفة المالية الأولية للمشاريع المنجزة بلغت 77 مليار درهم، مكّنت من تطوير البنيات التحتية وتعزيز الربط بين شمال المملكة وجنوبها، إضافة إلى خلق فرص الشغل واستقطاب استثمارات كبرى.

وذكر أن مشروع الطريق السريع تزنيت–الداخلة، الممتد على مسافة تناهز 1100 كيلومتر، يشكل أحد أبرز الأوراش المهيكلة التي ستستفيد منها أزيد من مليونين ونصف مواطن.

كما أشار إلى ميناء الداخلة الأطلسي، الذي بلغت نسبة تقدم أشغاله 50 في المائة، بكلفة إجمالية تقارب 13 مليار درهم، باعتباره أحد الأعمدة الرئيسية في استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالأقاليم الجنوبية.

وأضاف أخنوش أن الجنوب المغربي أصبح اليوم يتوفر على شبكة موانئ متكاملة تشمل العيون والداخلة وطانطان وطرفاية وسيدي إفني، وهي منشآت تؤدي أدواراً محورية في التجارة البحرية والصيد والاقتصاد الأزرق.

كما تحدث عن انطلاقة جديدة لقطاع الطاقة في الصحراء المغربية، من خلال خطة التجهيز الكهربائي 2025-2030، بطاقة تفوق 1400 ميغاواط واستثمارات تتجاوز 15 مليار درهم، فضلاً عن سبعة مشاريع كبرى للهيدروجين الأخضر باستثمارات تناهز 36 مليار دولار، تضع الداخلة والعيون في قلب التحول الطاقي الذي يعرفه المغرب.

وأشار رئيس الحكومة كذلك إلى البرنامج الصناعي الذي ينفذه المكتب الشريف للفوسفاط بفوسبوكراع، بتكلفة تتجاوز 13 مليار درهم، ويشمل توسعة المنجم وإنشاء مغسلة ومركب كيميائي للأسمدة وبناء ميناء فوسفاطي جديد بلغت نسبة إنجازه 93 في المائة، مؤكداً أن المشروع يعتمد على الطاقة الريحية والمياه المحلاة بنسبة شبه كاملة، في انسجام مع أهداف التنمية المستدامة.

وفي ما يخص الأمن الغذائي، أبرز أخنوش أن القطاع الفلاحي يشكل ركيزة أساسية ضمن النموذج التنموي الجهوي، عبر 55 مشروعاً بغلاف مالي يناهز 4,9 ملايير درهم، منها مشروع تحلية مياه البحر بالداخلة بكلفة 2,6 مليار درهم، الذي سيمكن من توفير 30 مليون متر مكعب سنوياً، ما سيساهم في دعم الزراعة المستدامة وتوفير الماء الصالح للشرب.

أما على المستوى السياحي، فقد أكد رئيس الحكومة أن الأقاليم الجنوبية باتت إحدى القاطرات الحقيقية للسياحة الوطنية، حيث ارتفعت الطاقة الإيوائية من 5697 سريراً سنة 2020 إلى 7441 سريراً سنة 2025، بنسبة نمو بلغت 31 في المائة، بما يعزز مكانة هذه الجهات كوجهة تنافسية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

لكن هذه الأرقام، رغم حجمها، لم تمنع المعارضة من توجيه انتقادات حادة للحكومة، متهمة إياها بعدم المضي بالسرعة المطلوبة في معالجة الفوارق الاجتماعية والمجالية.

ففي تعقيبه على مداخلة رئيس الحكومة، دعا رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، إلى تقييم شامل للنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، معتبراً أن التنمية لا يمكن اختزالها في الأرقام والمشاريع الكبرى، بل ترتبط أساساً بتحقيق العدالة المجالية وتفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.

وأكد حموني أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في إطلاق المشاريع، بل في ضمان استفادة السكان منها بشكل مباشر، مشدداً على ضرورة خلق جامعات ومستشفيات ومناطق صناعية جديدة في الأقاليم الجنوبية، واعتماد نظام ضريبي شفاف ومحفز للاستثمار، يكون مشروطاً بخلق فرص الشغل والثروة محلياً.

كما طالب بإنهاء اقتصاد الريع ومنظومة الامتيازات التي قال إنها تعيق التنافسية وتكرس الفوارق، داعياً إلى حكامة رشيدة تضمن توزيعاً عادلاً للثروة وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة.

وانتقد رئيس الفريق التقدمي ما وصفه بغياب البعد الاجتماعي والإنساني في تصور الحكومة للتنمية، مؤكداً أن الرهان الحقيقي يتمثل في تثمين الرأسمال البشري وضمان تكافؤ الفرص لجميع المواطنين.

واعتبر أن نجاح النموذج التنموي الجهوي رهين بإرساء ديمقراطية تشاركية تجعل من المواطنين شركاء حقيقيين في صياغة السياسات العمومية، وليس مجرد مستفيدين من نتائجها.

كما حذر حموني من مخاطر استمرار المقاربة المركزية في تدبير المشاريع بالأقاليم الجنوبية، داعياً إلى تمكين الجماعات الترابية من الصلاحيات والموارد الكافية لتدبير شؤونها التنموية، بما يعزز روح المسؤولية والمساءلة المحلية.

وقال إن تحقيق الإقلاع التنموي المنشود في الجنوب لن يتم إلا عبر تفعيل حقيقي للجهوية المتقدمة، وتبني رؤية مندمجة تجمع بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية.

من جانبها، اعتبرت المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية أن قرار مجلس الأمن الأخير حول الصحراء يمثل انتصاراً دبلوماسياً للمغرب، وأن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز المكاسب التنموية والقانونية عبر التفعيل الأمثل للخيار الديمقراطي.

وأكدت النائبة الباتول أبلاضي أن التنمية الحقيقية لا تنفصل عن البناء الديمقراطي، وأن استمرار مظاهر الخصاص والفوارق يفرض على الحكومة مراجعة سياساتها لضمان استجابة أكثر فعالية لانتظارات المواطنين.

وأجمعت مداخلات المعارضة على أن الأقاليم الجنوبية، رغم الإنجازات الميدانية الكبرى، ما زالت في حاجة إلى نموذج تنموي أكثر عدلاً وتوازناً، يعزز مكانة الإنسان في صلب السياسات العمومية، ويضمن استفادة الجميع من ثمار النمو الاقتصادي.

وفي المقابل، شدد رئيس الحكومة على أن المشاريع الجارية تمثل مرحلة انتقالية نحو تحول هيكلي شامل، وأن المملكة ماضية بثبات في جعل الصحراء المغربية قطباً إقليمياً للتنمية والاستقرار في ظل القيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس.

بهذا، تعكس جلسة المساءلة الأخيرة عمق النقاش السياسي حول مستقبل التنمية بالأقاليم الجنوبية، بين حكومة تراهن على الأرقام والمشاريع الكبرى لتكريس الريادة الاقتصادية، ومعارضة تطالب بتوزيع أكثر إنصافاً للثروة وتفعيل آليات الحكامة والديمقراطية المحلية.

آخر الأخبار