هدم واسع للمستودعات غير القانونية يكشف اختلالات خطيرة بجهة الدار البيضاء سطات
تشهد جهة الدار البيضاء سطات في الأيام الأخيرة حملة غير مسبوقة تهدف إلى استرجاع هيبة القانون ووضع حدٍّ لعقود من الفوضى العمرانية والاقتصادية، من خلال إطلاق عملية واسعة لهدم المستودعات العشوائية التي شُيّدت خارج الإطار القانوني، والتي استُغلت على مدى سنوات طويلة في أنشطة تخزين وتوزيع غير منظمة.
الحملة، التي تأتي بتعليمات مباشرة من والي الجهة محمد امهيدية، تمثل تحولًا حاسمًا في أسلوب تدبير الشأن الترابي، وتؤشر على إرادة سياسية واضحة لإعادة النظام والشفافية إلى واحدة من أكثر المناطق حيوية في المغرب.
وتتوزع عمليات الهدم على عدد من المناطق التابعة لجهة الدار البيضاء سطات، وعلى رأسها إقليم النواصر، الذي يُعتبر بؤرة رئيسية لانتشار هذه المستودعات، خاصة في بوسكورة والمكانسة وضواحيهما.
وتفيد مصادر ميدانية بأن السلطات المحلية استعانت بجرافات وشاحنات وآليات ضخمة لتنفيذ قرارات الهدم، وسط إجراءات أمنية مشددة لضمان سير العملية في أجواء منضبطة، ولتفادي أي مواجهات أو احتجاجات غير محسوبة. وقد شملت الحملة عشرات المستودعات التي ظلت تُستغل في الخفاء لتخزين مواد غذائية وكيماوية وقطع غيار السيارات، دون الحصول على تراخيص قانونية أو احترام شروط السلامة المهنية المعمول بها.
وتكشف المعطيات التي توصلت بها الجريدة 24 أن عدداً من هذه المستودعات يعود تاريخ بنائها إلى أكثر من عشر سنوات، إذ كانت تعمل بعيدًا عن أعين الرقابة، مستفيدة من فترات تراخٍ إداري وضعف في المراقبة الحضرية، ما جعلها تتحول إلى بؤر محتملة للمخاطر.
ولم تقف التجاوزات عند حدود خرق قوانين التعمير، بل امتدت إلى المجال الاقتصادي والاجتماعي، حيث تشير التقارير إلى أن بعض هذه المستودعات استُغلت لأغراض تتعارض مع القانون، من بينها التهرب الضريبي وتشغيل اليد العاملة في ظروف غير إنسانية، دون أي احترام لمقتضيات مدونة الشغل أو شروط السلامة المهنية.
كما كشفت العملية عن وجود شركات صغيرة ومتوسطة استخدمت هذه المستودعات لتخزين بضائعها بغرض تفادي تكاليف الترخيص والضرائب، ما أضرّ بالمنافسة الشريفة وألحق خسائر بالخزينة العامة.
وفي المقابل، شهدت جماعة أولاد عزوز صباح اليوم حادثًا استثنائيًا عكس حجم التوتر الذي رافق هذه العملية، بعدما أقدم الرئيس السابق للجماعة على التهديد بالانتحار حرقًا، احتجاجًا على شروع السلطات في هدم مستودعات يملكها في المنطقة.
وقد استنفرت الواقعة مختلف الأجهزة الأمنية والدرك الملكي والقوات المساعدة، إضافة إلى عناصر الوقاية المدنية، التي تدخلت لاحتواء الوضع ومنع وقوع أي مأساة.
ووفقا لما تم تناقله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فإن المعني بالأمر يرفض قرار الهدم بدعوى أن ملفه ما يزال قيد التسوية لدى المحكمة الإدارية، في حين تؤكد السلطات أن المستودعات المعنية بُنيت دون أي ترخيص قانوني، ما يجعلها خاضعة لقرارات الإزالة الفورية.
المتابعون للشأن المحلي يرون أن هذه الحملة تندرج في إطار رؤية وطنية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة القانون والتصدي للبناء العشوائي الذي شوه صورة المجال الحضري في عدد من المدن الكبرى، خاصة مع اقتراب استضافة المغرب لكأس إفريقيا للأمم 2025 وكأس العالم 2030.
وتعتبر هذه الخطوة إشارة قوية على أن الدولة ماضية في مسار الإصلاح العمراني والاقتصادي دون تردد أو استثناءات، وأن زمن التغاضي عن المخالفات قد ولّى.
وتبقى هذه الحملة، التي تشهدها جهة الدار البيضاء سطات، بمثابة منعطف جديد في مسار تدبير المجال الترابي بالمغرب، إذ تعكس تحولا واضحا نحو تفعيل سلطة القانون وتكريس مبدأ المساواة أمامه، في خطوة تؤسس لمرحلة جديدة من الحزم في مواجهة كل أشكال الفوضى والعشوائية، تمهيدًا لفضاء حضري منظم وآمن يليق بصورة المغرب الحديثة.