المعارضة تتهم لوبيات بالتحكم في خيرات البلاد وإقصاء الفلاحين الصغار
وجه عدد من النواب البرلمانيين انتقادات لاذعة لأداء الحكومة ووزارة الفلاحة والصيد البحري، محذرين مما وصفوه بـ“الاحتكار المقنع” و”الانحراف الخطير” في تدبير منظومة الإنتاج الزراعي والأسواق.
وقد تحوّل النقاش حول الميزانية الفرعية لوزارة الفلاحة إلى جلسة لتعرية اختلالات القطاع، وسط إجماع برلماني نادر على أن الفلاح الصغير بات الحلقة الأضعف في منظومة يغيب عنها التوازن والعدالة.
في مداخلة حادة اللهجة، أثار النائب عبد القادر البريكي، عن حزب الحركة الشعبية، ملف الاحتكار في سوق البذور، واصفًا ما يجري بـ“التحكم المقنع” الذي تمارسه قلة قليلة من المستوردين الذين يهيمنون على السوق بشكل شبه مطلق.
وقال البريكي إن هؤلاء حولوا مجال استيراد البذور إلى “نادي مغلق” لا يدخله أحد من خارج دوائر مصالحهم، مضيفًا أن الأسعار تُحدد وفق تفاهمات غير معلنة بين مجموعة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، بعيدًا عن أي منطق للمنافسة الحرة.
وأعطى مثالًا صارخًا بسوق بذور البصل التي وصل سعر الكيلوغرام الواحد منها إلى 4000 درهم، متسائلًا كيف يمكن للفلاح أن يواصل الإنتاج في ظل هذه التكاليف الخيالية، فيما يُطلب منه بيع محاصيله بأسعار “معقولة” في السوق.
وأشار أيضًا إلى سوق بذور البطاطس التي شهدت ارتفاعًا صاروخيًا في الأسعار، من 9 إلى 25 درهمًا للكيلوغرام الواحد، مع وجود فواتير رسمية تثبت أن السعر الحقيقي لا يتجاوز عشرة دراهم، مما يطرح تساؤلات حادة حول مصير الفارق المالي ومن يستفيد من هذه الهوامش.
ولم يخفِ البريكي استياءه من غياب مؤسسة “سوناكوس” عن أداء دورها التقليدي في تحقيق التوازن داخل السوق، معتبراً أن انسحابها ترك فراغًا خطيرًا استغله كبار المستوردين لفرض منطقهم الخاص ورفع الأسعار دون حسيب أو رقيب.
كما وسّع ملاحظاته لتشمل أسواق القرب التي تشهد مفارقات صارخة بين أسعار الجملة والتقسيط، معتبرًا أن غياب الضبط في سلاسل التوزيع مكّن المضاربين والوسطاء من التحكم في السوق على حساب الفلاح والمستهلك.
في الاتجاه ذاته، عبّر النائب إبراهيم أجنين، عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، عن خيبة أمله من حصيلة البرامج الفلاحية الكبرى، مؤكدًا أن “الجيل الأخضر” الذي رُوّج له كاستمرار لمخطط “المغرب الأخضر”، لم يحقق الأهداف المعلنة، بل عمّق هشاشة الفلاح الصغير.
وقال أجنين إن الخطاب الرسمي لا يطابق الواقع الميداني، فبينما تتحدث الحكومة عن التنمية المستدامة وتحقيق السيادة الغذائية، يعيش آلاف الفلاحين أوضاعًا تزداد سوءًا بسبب الجفاف وارتفاع أسعار الأسمدة وصعوبة الولوج إلى الدعم والأسواق.
وأضاف أن المشاريع الفلاحية الكبرى خلقت ثروة زراعية محصورة في فئات محدودة من كبار المستثمرين، في حين تُرك الفلاح الصغير وحيدًا في مواجهة تقلبات المناخ والأسواق.
ووصف أجنين الجيل الأخضر بأنه “مشروع بلا روح اجتماعية”، يفتقر إلى العدالة في توزيع الاستثمارات والأثر الملموس في القرى النائية، حيث لا يسمع الفلاح الصغير عن الدعم سوى في نشرات الأخبار.
كما أكد أن هشاشة المنظومة الغذائية تفاقمت بفعل الأزمات المتلاحقة، من الجفاف إلى اضطرابات السوق العالمية، مما جعل المغرب بعيدًا عن تحقيق الاكتفاء الغذائي رغم كل البرامج المعلنة.
وانتقد استمرار تصدير المنتجات الزراعية كالطماطم والأسماك في وقت يواجه فيه المواطن المغربي صعوبات في اقتنائها داخل السوق المحلية.
أما البرلماني الشرقاوي الزنايدي، عن الفريق الاشتراكي، فقد عبّر عن استيائه من غياب التفاعل الجاد من قبل وزارة الفلاحة مع التحديات التي تهدد الأمن الغذائي للمغاربة، مبرزا أن السنوات المتتالية من الجفاف لم تُقابل بخطط استعجالية حقيقية.
كما حذر الزنايدي من أن المقاربة الحكومية الحالية تُدار بطريقة تُكرّس منطق المصالح الضيقة، موضحًا أن الوزارة أصبحت تتعامل مع فاعلين يمثلون لوبيات اقتصادية بدل الفلاحين الحقيقيين، وهو ما جعل القرارات تنحاز إلى الكبار على حساب صغار المنتجين.
وخلصت مداخلات المعارضة إلى أن القطاع الفلاحي يعيش أزمة ثقة حقيقية، بسبب غياب الشفافية في التدبير واحتكار الموارد والدعم من قبل فئة محدودة.
ودعت الأحزاب المعارضة الحكومة إلى مراجعة سياساتها الزراعية بشكل جذري، لضمان منافسة عادلة وحماية الفلاحين الصغار الذين يمثلون العمود الفقري للقطاع.
كما طالبت بعودة الدولة إلى دورها التنظيمي والرقابي، وإرساء آليات واضحة لمراقبة الأسعار والحد من المضاربات، معتبرة أن الأمن الغذائي لا يُبنى بالشعارات، بل بإصلاح حقيقي يعيد التوازن بين مصلحة المستثمر والفلاح والمستهلك.