المعارضة تضغط لإحياء قانون الإثراء غير المشروع
يستمر الجدل داخل الأوساط السياسية والبرلمانية في المغرب حول مصير مشروع قانون الإثراء غير المشروع، الذي تم سحبه من البرلمان في بداية الولاية الحكومية الحالية، دون أن تتم إعادته إلى المسار التشريعي رغم تعاقب السنوات وتزايد مطالب المعارضة بإحيائه.
ويأتي هذا النقاش في سياق وطني ودولي يتسم بتصاعد المخاوف من تفشي الفساد وتضارب المصالح وضعف آليات الشفافية والمساءلة، في وقت تؤكد فيه المعارضة أن الحكومة لم تُبدِ الإرادة الكافية للمضي قدمًا في إصلاح المنظومة القانونية لمحاربة الإثراء غير المشروع.
خلال مناقشة الميزانية الفرعية لوزارة العدل بمجلس النواب، وجّهت البرلمانية لبنى الصغيري عن فريق التقدم والاشتراكية انتقادات حادة للحكومة، معتبرة أن سحبها لعدد من مشاريع القوانين ذات البعد الحقوقي والاجتماعي، ومنها مشروع قانون الإثراء غير المشروع، يشكل تراجعًا عن مسار إصلاح المنظومة القانونية وتخليق الحياة العامة.
وأكدت أن تعطيل هذا المشروع يثير تساؤلات حول وجود أطراف مستفيدة من الوضع الراهن تعمل على عرقلة أي مبادرة تشريعية من شأنها تضييق الخناق على الفساد والممارسات غير الشفافة، مضيفة أن إقرار هذا القانون كان سيُحدث نقلة نوعية في تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات وفي تحسين صورة المغرب أمام المنتديات الدولية.
من جانبها، عبّرت النائبة ربيعة بوجة، عن المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، عن استغرابها من استمرار التأخر في إخراج مجموعة القانون الجنائي، الذي يتضمن مقتضيات تجريم الإثراء غير المشروع.
وتساءلت ما إذا كان سبب هذا التأخير غياب الإرادة السياسية أو ضعف القدرة التنفيذية أو وجود “قوى خفية” تحول دون تحقيق الإصلاح. وانتقدت بوجة تصريح وزير العدل حول ما وصفه بـ“الفساد الانطباعي”، متسائلة كيف يمكن اعتبار قضايا كبرى مثل “صفقات المحروقات” و“زواج المال بالسلطة” و“ملفات تحلية المياه والغاز” مجرد انطباعات، في حين أنها تمثل حسب قولها مؤشرات حقيقية على اختلالات بنيوية تستوجب المساءلة.
وأضافت أن جيل الشباب الذي يعبر عن غضبه في الشارع إنما يفعل ذلك بسبب تفاقم الفساد وتضارب المصالح، محذرة من أن استمرار التجاهل قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي ما لم يتم وضع مكافحة الفساد في صدارة أولويات الحكومة.
أما النائبة مليكة الزخنيني عن الفريق الاشتراكي، فقد حذرت من “تعويم النقاش حول الفساد وربطه بالقانون الإلهي”، معتبرة أن هذا التوجه يُفرغ الحوار المؤسساتي من مضمونه ويحول دون بناء آليات فعالة لتخليق الحياة العامة.
وأكدت أن الفساد ظاهرة بشرية يمكن محاصرتها من خلال مؤسسات قوية وقوانين واضحة، مشددة على أن تجريم الإثراء غير المشروع يشكل ركيزة أساسية في منظومة الشفافية والمساءلة، وأن اعتباره “قدراً لا مفر منه” يُعد تبريرًا غير مقبول.
وربطت الزخنيني موضوع الإثراء غير المشروع بمسار استقلال السلطة القضائية الذي بدأ بعد دستور 2011، معتبرة أن المغرب خاض تجربة تأسيسية مهمة في هذا الإطار رغم ما صاحبها من توجس في بداياتها.
وأشارت إلى أن المرحلة الحالية تتطلب تحصين هذا المسار وتجويد أدائه، مشددة على أن الاستثمار في العنصر البشري يظل أساس نجاح أي إصلاح مؤسساتي، وأن تحديث الإدارة القضائية وتحسين أدائها رهين بتوفير الكفاءات القادرة على مواكبة التحول التشريعي والتقني.
ومع استمرار الجدل، يبقى مشروع قانون الإثراء غير المشروع معلقًا بين الدعوات إلى تفعيله باعتباره ضرورة ملحّة لإرساء العدالة والنزاهة، وبين التخوف من تبعاته القانونية والسياسية على المناخ العام.