اختلالات ضريبية تفجر صراعا داخل جماعة الهراويين
تعيش جماعة الهراويين الواقعة ضمن النفوذ الترابي لإقليم مديونة ضواحي الدار البيضاء، على وقع توتر متصاعد واحتقان سياسي وإداري غير مسبوق، بعد أن تفجّرت خلال الأسابيع الأخيرة معطيات مثيرة تتعلق بتجاوزات مالية وإعفاءات ضريبية وُصفت بـ”غير القانونية”، مما فجّر موجة من الغضب والاستياء في صفوف عدد من الفعاليات المحلية والمنتخبين.
وتشير مصادر محلية للجريدة 24 إلى أن الوضع داخل الجماعة بات “قابلاً للانفجار في أي لحظة” بفعل تراكم ما وُصف بـ”الاختلالات الخطيرة وسوء التدبير الإداري والمالي”، وهو ما اعتبرته هيئات سياسية ومدنية دليلاً على فشل مسار التنمية والإصلاح الذي كان من المفترض أن يشمل المنطقة.
ويأتي هذا الاحتقان الجديد في وقت تقدّم فيه سبعة أعضاء من مجلس جماعة الهراويين بشكاية رسمية إلى عامل الإقليم، مع توجيه نسخ منها إلى مؤسسات رقابية عليا، من بينها وزارة الداخلية والمجلس الأعلى للحسابات والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، إضافة إلى المفتشية العامة للإدارة الترابية.
الشكاية، التي حصلت عليها الجريدة 24، تتهم رئيس المجلس الجماعي، إدريس صديق، بارتكاب ما أسموه “غدراً ضريبياً” عبر منح إعفاءات ضريبية غير قانونية لفائدة شركة عقارية معروفة تدعى “إقامات دار السعادة”.
وتفجّر الجدل بعد صدور حكم عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء بتاريخ 30 شتنبر 2025، تحت عدد 6362 في الملف رقم 2025/7113/1832، قضى بإلغاء الرسوم الضريبية التي كانت موضوع نزاع بين الشركة المذكورة وجماعة الهراويين والقباضة الإقليمية والخزينة العامة ووزارتي الداخلية والمالية، والمتعلقة بسنوات 2018 و2019 و2020 و2022 و2023، مع تحديد مبلغ الرسم المستحق عن العقار محل النزاع في حدود 728.990 درهماً عن كل سنة من سنوات 2021 إلى 2024.
وبحسب ما ورد في نص الشكاية، فإن الحكم أدى عملياً إلى حرمان جماعة الهراويين من مداخيل مالية مهمة كان يمكن أن تساهم في تمويل عدد من المشاريع التنموية والاجتماعية المتعثرة داخل المنطقة.
واتهم الأعضاء الموقعون رئيس المجلس بإصدار قرارات الإعفاء بشكل “أحادي ودون سند قانوني”، في خرق صريح لمقتضيات القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية، الذي يحدد بدقة شروط ومدة الإعفاءات المسموح بها.
وأوضحوا أن هذه القرارات “لم تخضع لأي مداولة أو مصادقة من طرف المجلس الجماعي كما يفرض القانون”، معتبرين أن الخطوة “تشكّل تجاوزاً خطيراً لصلاحيات الرئيس ومساساً بمبدأ الشفافية والنزاهة في تدبير الموارد العمومية”.
وتضيف الوثيقة أن الجماعة، رغم توصلها بدعوى الإلغاء التي رفعتها الشركة المعنية ضدها، لم تقدّم دفوعاً قانونية كافية للدفاع عن موقفها، ما جعل المحكمة تعتمد موقف الشركة أساساً للحكم.
ولم تتوقف اتهامات المشتكين عند الجانب الإداري فحسب، بل امتدت إلى الشق الجنائي، حيث أشاروا إلى أن منح إعفاءات أو تجاوزات ضريبية دون سند قانوني يمكن أن يشكل شبهة “تبديد للمال العام”، مستندين في ذلك إلى مقتضيات الفصل 244 من القانون الجنائي المغربي الذي يجرّم هذا النوع من الأفعال ويعتبره إخلالاً خطيراً بمبدأ المرفق العام.
مطالبين بفتح تحقيق شامل لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات القانونية اللازمة في حال ثبوت أي تلاعب أو تجاوز.
كما دعا الأعضاء الموقعون على الشكاية إلى إيفاد لجنة افتحاص من وزارة الداخلية والمجلس الأعلى للحسابات للوقوف على تفاصيل الملف، والتحقق من مدى قانونية الإعفاءات التي منحتها الجماعة، سواء في هذه القضية أو في ملفات أخرى محتملة. وشددوا على ضرورة توسيع التحقيق ليشمل جميع القرارات الإدارية والمالية الصادرة عن الجماعة خلال السنوات الأخيرة، ضماناً لشفافية التدبير وحمايةً للمال العام.
من جهتهم، عبّر عدد من الفاعلين السياسيين والمدنيين بالمنطقة عن دعمهم لهذه الخطوة، معتبرين أن ما يجري داخل جماعة الهراويين “يمثل نموذجاً مصغّراً لمظاهر الفساد الإداري التي تنخر بعض الجماعات الترابية وتعيق جهود التنمية المحلية”.
كما أكدوا أن تأخر الإصلاحات وغياب المشاريع الكبرى زاد من احتقان الشارع المحلي، في ظل ما وصفوه بـ“انعدام الرؤية الواضحة لدى المجلس الجماعي وتدهور الخدمات الأساسية في مجالات النظافة والطرق والتجهيزات الاجتماعية”.