ضغوط برلمانية لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق في صفقات الأدوية

الكاتب : انس شريد

14 نوفمبر 2025 - 06:30
الخط :

يتواصل الجدل داخل الأوساط السياسية والبرلمانية المغربية على نحو متصاعد، في ظل ما يشهده قطاع الأدوية من توترات مرتبطة بارتفاع الأسعار وشبهات تضارب المصالح بين بعض المختبرات والمصحات الخاصة، وهي الاتهامات التي فجّرت نقاشا حادا خلال مناقشة الجزء الأول من مشروع قانون المالية لسنة 2026 داخل مجلس النواب.

ويعتبر الملف من أكثر القضايا حساسية لارتباطه المباشر بحق المواطنين في الولوج إلى العلاج، خصوصا مع تزايد التقارير والشكايات التي تتحدث عن ارتفاع غير مسبوق في أسعار أدوية الأمراض المزمنة والسرطانات، إضافة إلى وجود تفاوتات كبيرة بين الأسعار الرسمية وأسعار البيع داخل بعض المصحات الخاصة، ما فتح الباب أمام مطالب برلمانية متنامية بضرورة فتح تحقيق مستقل وشامل.

وخلال جلسة مناقشة مشروع قانون المالية، دعا النائب البرلماني مصطفى إبراهيمي عن المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية إلى تشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق بشأن شبهة تضارب المصالح المرتبطة ببعض المختبرات وصفقات الدواء.

وطالب إبراهيمي الأغلبية الحكومية بالانخراط في هذا المسار، مشددا على أن ما أثير داخل البرلمان “يتعلق بملفات خطيرة” لا يمكن تجاهلها أو الاكتفاء بتوضيحات عامة بشأنها.

ووجّه البرلماني كلامه إلى فريق التجمع الوطني للأحرار، منتقدا ما وصفه بـ“رفض تشكيل لجان تقصي الحقائق في ملفات سابقة”، وداعيا إلى التعامل مع هذه الاتهامات بقدر أكبر من المسؤولية.

واتهم إبراهيمي وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بأنها تحولت إلى “وزارة للصفقات”، معتبرا أن القطاع يعيش حالة من الفوضى والمحسوبية وتضارب المصالح، في ظل بروز شركات جديدة تستحوذ على صفقات حيوية، وفق تعبيره، دون اعتماد معايير واضحة وشفافة. كما دعا إلى حماية الصناعة الدوائية الوطنية عبر وضع ضوابط تحد من استيراد الأدوية التي يُنتج نظيرها محليا، مؤكدا أن مجموعته تقدمت بتعديل قانوني يهدف إلى منع استيراد أي دواء تصنعه أربع شركات مغربية على الأقل.

وانتقد المتحدث ما اعتبره “إقصاء ممنهجا” لشركات وطنية كانت توفر أدوية أساسية لصالح شركات يملكها مسؤولون حكوميون، معتبرا أن ذلك يمس بمبدأ تكافؤ الفرص. كما شدد على ضرورة أن ينعكس أي خفض للرسوم الجمركية على أسعار البيع للمواطنين، وأن تُمنع واردات الأدوية التي يوجد لها بديل محلي حفاظا على مناصب الشغل والاقتصاد الوطني.

من جانبه، صعّد عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، من لهجته تجاه وزارة الصحة، عقب إصدارها بلاغا نفت فيه الاتهامات المتعلقة بمنح امتيازات في استيراد دواء “كلوريد البوتاسيوم” الذي يُعتبر من المواد الحيوية المستعملة في أقسام الإنعاش والتخدير.

ووصف بوانو في تدوينة له عبر حسابه على الفيسبوك، البلاغ بكونه “بلاغ منتصف الليل” الذي يهدف، بحسب تعبيره، إلى “تهريب النقاش وتضليل الرأي العام”. وقال إن الرد الحقيقي يجب أن يتم عبر تشكيل لجنة تقصي الحقائق، وليس من خلال بلاغات وصفها بأنها “إنشائية وعامة” لا تجيب عن صلب الاتهامات المطروحة.

واتهم بوانو الوزارة بتجاهل الجواب عن النقطة الأساسية المرتبطة بالتراخيص المؤقتة للاستعمال (ATU)، والتي تمنح لشركات معينة لاستيراد أدوية بشكل استثنائي. ودعا إلى نشر أسماء الشركات المستفيدة من تلك التراخيص، لضمان الشفافية وكشف أي تضارب محتمل للمصالح.

كما أعرب عن استغرابه من توقيت صدور بلاغ الوزارة تزامنا مع مناقشة مشروع قانون المالية، معتبرا أن ذلك “محاولة للتأثير على النقاش البرلماني”.

وفي المقابل، قدمت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية روايتها للاتهامات التي طالتها، مؤكدة في بلاغ رسمي أن الخصاص الذي شهدته السوق الوطنية مؤخرا في مادة “كلوريد البوتاسيوم” راجع إلى توقف مؤقت في الإنتاج المحلي لإحدى الشركات الوطنية بسبب أشغال التوسعة.

وأوضحت أن الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية تدخلت طبقا للقانون لمواكبة الشركة في تسريع عودة الإنتاج، وكذا لمواكبة شركة مغربية أخرى لإطلاق إنتاج المادة ذاتها دعما للقدرات الوطنية.

وأضافت الوزارة أنها رخصت مؤقتا لعدد من الشركات باستيراد هذه المادة الحيوية بسبب الظرفية الاستثنائية، مشددة على أن هذه التراخيص “لا تمنح أي امتيازات في الصفقات العمومية”، وأن اقتناء الوزارة للدواء تم حصريا عبر طلب عروض “قانوني وشفاف”، مفتوح أمام الشركات الوطنية المنتجة. كما أكدت أن المستشفيات الجامعية تدبر مشترياتها وفق المساطر القانونية نفسها، دون أي استثناءات.

لكن الوزارة لم تقدّم ردا مباشرا على الاتهامات المتعلقة باستفادة وزير في الحكومة من صفقة متعلقة باستيراد الدواء المذكور، كما لم تتناول ما أثاره بوانو بشأن منح مصحة خاصة صفقة بيع دواء للسرطان يتراوح ثمنه بين 600 و800 درهم، بينما كانت المصحة تعرضه مقابل 4000 درهم، محققة أرباحا ضخمة في ظرف وجيز.

وبين اتهامات المعارضة وتوضيحات الوزارة، يستمر الاحتقان داخل المؤسسة التشريعية، وسط دعوات متزايدة إلى فتح تحقيق رسمي عبر لجنة برلمانية لتقصي الحقائق، باعتبارها الآلية الدستورية الوحيدة القادرة على كشف حقيقة ما يجري داخل قطاع الدواء، وتحديد المسؤوليات، وضمان شفافية الصفقات وحماية الحق الدستوري للمواطنين في العلاج.

ومع تزايد المطالب السياسية والبرلمانية، يجد ملف صفقات الدواء نفسه في قلب جدل وطني واسع، قد تكون له انعكاسات مهمة على تدبير القطاع الصحي وعلى ثقة المواطنين في مؤسساته.

آخر الأخبار