شبهات صفقات الأدوية تعيد إحياء النقاش حول شفافية القطاع الصحي
عاد ملف صفقات الأدوية إلى واجهة النقاش البرلماني بعدما جددت المعارضة بمجلس النواب مطالبتها بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق، معتبرة أن هذه الآلية الدستورية تمثل المدخل الوحيد لكشف جميع المعطيات المرتبطة بالموضوع وضمان الشفافية في تدبير السياسة الدوائية.
وقد استحضر نواب المعارضة سلسلة الطلبات التي سبق وضعها منذ سنة 2021 والمتعلقة بمناقشة السياسة الدوائية وتأمين المخزون الاستراتيجي من الأدوية، مؤكدين أن الجدل الذي رافق مناقشة مشروع قانون المالية أعاد الضرورة الملحة لفتح هذا الملف.
وفي مستهل الجلسة الأسبوعية للأسئلة الشفهية، أوضح النائب البرلماني رشيد السنتيسي أن فريقه سبق وأن تقدم بطلبات متكررة لإثارة ملف السياسة الدوائية، قبل أن يُفاجأ، حسب قوله، بالإسراع في برمجة اجتماع جديد عقب ارتفاع الأصوات المنتقدة لصفقات الأدوية.
وشدد على ضرورة احترام الطلبات الموضوعة سابقا، إلى جانب النظر في تشكيل لجنة تقصي الحقائق، باعتبارها الإطار الوحيد الذي يتيح جمع المعلومات والاستماع لكل الأطراف دون استثناء.
ومن جانبه، أكد عبد الله بووانو رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية أن الاجتماع المرتقب يوم الأربعاء لا يلغي الحاجة إلى لجنة تقصي الحقائق، موضحا أن الحكومة قدمت وجهة نظرها في الملف، غير أن معطيات أخرى لا يمكن الوصول إليها إلا عبر هذه الآلية الدستورية التي تضمن الحياد المؤسساتي.
وأضاف أن مجموعته ستحضر الاجتماع وستقدم ما وصفه بـ“ملاحظات أكثر وضوحا وقوة”، مشيرا إلى أن النقاش الدائر حول صفقات الأدوية يستدعي الكشف الكامل عن حقيقة ما يجري داخل القطاع.
وتواصل الجدل بعدما وجّه الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان، مصطفى بايتاس، طلبا إلى رئيس مجلس النواب لعقد اجتماع لجنة القطاعات الاجتماعية بحضور وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي، لبحث ما أثير حول اقتناء الأدوية.
ويأتي هذا الطلب في إطار مقتضيات النظام الداخلي للمجلس التي تتيح للسلطة التنفيذية طلب اجتماعات للجان الدائمة عندما يتعلق الأمر بقضايا مستعجلة أو خلافية.
وفي خضم هذا الحراك المؤسساتي، أعلن الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، فتح تحقيق رسمي في شبهات الاختلالات التي أثيرت بشأن صفقات استيراد الأدوية، وذلك خلال جلسة التصويت الأخيرة على مشروع قانون المالية لسنة 2026.
وأكد لقجع أن الحكومة تتعامل مع الموضوع بوضوح تام، وأنه أصدر تعليماته لمصالح الجمارك والمديرية العامة للدواء لإنجاز جرد شامل للتعريفات والتصنيفات المرتبطة بالأدوية، مضيفا أن أي ثغرة في هذه المنظومة سيتم تعديلها بما يضمن وقف أي امتيازات غير مبررة.
وواصل بووانو في جلسة الأسئلة الشفوية الكشف عن ما وصفها بالاختلالات المرتبطة بصفقات عمومية، مشيرا إلى أن وزير الصحة مرّر صفقات لشركات يملكها وزير آخر في الحكومة، إلى جانب تمرير صفقة لمؤسسة خاصة تبيع أدوية للسرطان بأثمنة تفوق بأضعاف سعرها الحقيقي.
واعتبر أن هذه المعطيات لا يمكن الحسم فيها إلا داخل لجنة تقصي الحقائق التي تتيح الاستماع للمسؤولين والهيئات المهنية والشركات المعنية لضمان حياد العملية السياسية.
وفي سياق آخر متصل بقطاع الدواء، وجّه الائتلاف الوطني لصيادلة العدالة والتنمية مراسلة جديدة إلى وزير الصحة يستفسر فيها أسباب التأخر في إصدار المراسيم التنظيمية للقانون المتعلق بإحداث الهيئة الوطنية للصيادلة، والذي صدر منذ فبراير 2024 دون أن يدخل حيز التنفيذ بعد.
وأشار الائتلاف إلى أن هذا التعطيل يؤثر على تدبير القطاع ويمنع وجود هيئة شرعية منتخبة تمثل الصيادلة بشكل مؤسساتي في ظل نقاش عمومي واسع حول “صفقات مشبوهة”، حسب تعبيره.
وقدمت وزارة الصحة بدورها معطيات جديدة حول الخصاص المسجل في مادة كلوريد البوتاسيوم، مؤكدة أن الأمر نتج عن توقف مؤقت لإحدى الشركات بسبب أشغال توسعة وحداتها الإنتاجية، وأن تمكين شركات أخرى من تراخيص الاستيراد تم في إطار وضعية استثنائية لا تمنح أي امتيازات في الصفقات العمومية.
وشددت الوزارة في بلاغ سابق على أن جميع طلبات العروض المرتبطة بالدواء جرت وفق المساطر القانونية المعمول بها، وأن الوكالة المغربية للأدوية قامت بمواكبة الشركات لضمان استعادة وتيرة الإنتاج.
ويرجح أن يشهد الملف مزيدا من التوتر السياسي خلال الأسابيع المقبلة، في ظل إصرار المعارضة على فتح تحقيق برلماني يكشف كل التفاصيل المرتبطة بصفقات الأدوية.