مقاطعات مهمشة بالدار البيضاء تستنجد بالوالي امهيدية لتدارك الاختلالات
تعيش مدينة الدار البيضاء على وقع نقاش متزايد حول العدالة المجالية بين مقاطعاتها الست عشرة، وسط تعالٍ للانتقادات بشأن التفاوت الواضح في توزيع المشاريع التنموية، وما يترتب عنه من إحساس لدى عدد من المناطق بالتهميش وغياب الإنصاف في برمجة الاستثمارات.
هذا الجدل عاد إلى الواجهة بقوة خلال الاجتماع التشاوري الخاص ببرنامج التنمية الترابية المندمجة لعمالة الدار البيضاء، الذي احتضنته ولاية الجهة، وشهد حضور رؤساء المقاطعات والمنتخبين ومسؤولين قطاعيين إلى جانب والي جهة الدار البيضاء–سطات محمد أمهيدية.
وبحسب مصادر مطلعة للجريدة 24، فإن عددا من رؤساء المقاطعات الذين حضروا الاجتماع، خصوصا من الحي المحمدي وسيدي مومن، تقدموا بملتمسات واضحة للوالي لإنهاء ما وصفوه بـ“الاختلالات المتراكمة” التي تعاني منها مناطقهم منذ سنوات، مطالبين بنصيب عادل من المشاريع التنموية التي لم تصل بعد إلى بعض الأحياء ذات الهشاشة.
ووفق المصادر ذاتها، فإن رؤساء المقاطعات المتضررة شددوا على أن استمرار هذا الوضع يفاقم الضغط الاجتماعي على الساكنة، ويكرس شعورا بالإقصاء مقارنة بمناطق أخرى شهدت خلال السنوات الأخيرة استفادة أكبر من الاستثمارات العمومية.
ومن بين أبرز التدخلات، ما أفاد به يوسف، رئيس مقاطعة الحي المحمدي، الذي دعا إلى تحسين أوضاع الساكنة بشكل عاجل، وعلى رأسهم سكان درب مولاي الشريف، الذين يعيشون منذ زمن طويل معاناة البنايات المهددة بالسقوط، إلى جانب النقص الكبير في المشاريع الاجتماعية والتنموية بالمنطقة.
ووفق مصادر مطلعة، فقد أبدى الوالي أمهيدية اهتماماً خاصاً بالحي المحمدي، مؤكداً عزمه على مواكبة كل المبادرات الرامية إلى تدارك الخصاص وتحسين ظروف العيش، مع دعم البرامج التي تستهدف الفئات الهشة داخل المقاطعة.
وفي السياق ذاته، عبّر أعضاء من مجلس مقاطعة سيدي مومن عن ضرورة التدخل السريع لإنهاء مظاهر التهميش، مع تقديم لائحة من المشاريع المتأخرة التي كان من المفترض تنزيلها خلال السنوات الماضية، والتي يرى المسؤولون المحليون أنها أساسية لمعالجة الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها سكان المنطقة.
الاجتماع التشاوري عرف أيضاً تقديم الوالي محمد أمهيدية عرضاً مفصلاً حول خارطة طريق الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية، تنفيذاً لتوجيهات الملك محمد السادس خلال المجلس الوزاري المنعقد في 19 أكتوبر 2025، والتي شددت على ضرورة تبني مقاربة تشاركية واستراتيجية جديدة تراعي الخصوصيات الترابية لكل منطقة.
وكشف الوالي أنه سيتم خلال سنة 2026 التركيز على تعزيز الميزانية المخصصة لقطاعي الصحة والتعليم لتصل إلى 140 مليار درهم، مع إحداث أزيد من 27 ألف منصب مالي لدعم هذين القطاعين الحيويين.
وأكد ممثل السلطة الترابية أن النموذج الجديد للبرامج التنموية يقوم على حكامة مبتكرة تربط بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية ضمن رؤية موحدة، ترتكز على الالتقائية والنجاعة وتضع المواطن في صلب أولويات السياسات العمومية.
وأوضح أن المنهجية المعتمدة في إعداد هذه البرامج تتبنى الإصغاء لمطالب الساكنة والتشاور الواسع مع مختلف الفاعلين من منتخبين ومؤسسات ومجتمع مدني وجامعيين، مع اعتماد مقاربة تصاعدية تجعل من المجال الترابي شريكاً مباشراً في صياغة التصورات وتحديد الأولويات ومتابعة تنفيذ المشاريع.
وشدد الوالي على أن هذا اللقاء التشاوري يندرج في إطار وضع تشخيص دقيق لحاجيات الساكنة على مستوى كل مقاطعة، خاصة ما يتعلق بقضايا التشغيل، وتحسين خدمات الرعاية الصحية، وتطوير منظومة التعليم، وتعزيز البنيات التحتية، وتثمين الواجهة البحرية للمدينة، وضمان الولوج إلى الماء الصالح للشرب، بما يضمن وضع مقترحات عملية تقود إلى رؤية تنموية متكاملة للدار البيضاء.
وأضاف أن إنجاح هذا الورش الملكي يستلزم انخراطاً جماعياً وتنسيقاً محكماً بين كل المتدخلين، لتوحيد الجهود في اتجاه بلورة برامج ترابية مندمجة تتماشى مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المغرب، وتستجيب لانتظارات المواطنين في مختلف المجالات.
ويأمل رؤساء المقاطعات الذين وضعوا ملتمساتهم أمام الوالي أن تشكل هذه الدينامية الجديدة فرصة حقيقية لرأب الصدع التنموي داخل أكبر مدينة في المملكة، وأن تسهم في إنهاء سنوات من التفاوت المجالي بين أحياء الدار البيضاء، عبر توزيع عادل للمشاريع يضمن إنصاف جميع الساكنة دون استثناء.