هل يهدد الاتجار في البحوث الجامعية مصداقية الشهادات العليا بالمغرب؟
في الأشهر الأخيرة، برزت بشكل لافت ظاهرة بيع وشراء الرسائل والأطروحات الجامعية عبر وسائط التواصل الاجتماعي، حيث تحوّلت بعض الصفحات المجهولة إلى منصات تجارية تُسَوِّق خدمات إعداد البحوث بجميع مستوياتها، من تقارير بسيطة إلى أطروحات الدكتوراه.
هذا الواقع المستجد أصبح يشكل تحدياً حقيقياً لمنظومة التعليم العالي في المغرب، بالنظر إلى ما يمثله من تهديد مباشر لمصداقية البحث العلمي وقيمة الشهادات الجامعية، وسط فراغ قانوني يزيد من تعقيد عملية التصدي لهذه الممارسات.
وتكشف مضامين تقارير صحفية وطنية صدرت مؤخراً عن وجود شبكات منظمة تنشط في “سوق سوداء” للبحوث الجامعية، حيث تعرض خدمات متكاملة تشمل تحرير المذكرات، وصياغة الإشكاليات، وإعداد الدراسات الميدانية، بل وحتى تحضير عروض المناقشة اللازمة لنيل الشهادات.
ويجري كل ذلك مقابل مبالغ مالية قد تصل إلى 50 ألف درهم، بحسب طبيعة التخصص والمهلة الزمنية المتفق عليها. هذا النشاط غير القانوني يستهدف بالأساس الطلبة الذين يجدون أنفسهم تحت ضغط زمني أو علمي، أو غير قادرين على إنجاز البحوث بالشكل المطلوب، ما يدفع البعض منهم إلى اللجوء إلى حلول جاهزة تسيء إلى تكافؤ الفرص داخل الوسط الجامعي.
في ظل هذا الوضع، وجه عمر أعنان، النائب البرلماني عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، سؤالاً كتابياً إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، دعا فيه إلى ضرورة التحرك العاجل لمواجهة ما وصفه بـ“الخطر الحقيقي على نزاهة الشهادات الجامعية”.
وأكد أعنان، استناداً إلى التقارير المتداولة، فإن غياب إطار قانوني واضح يجعل من ملاحقة المتورطين أمراً بالغ الصعوبة، رغم أن هذه الأفعال تُعد شكلاً من أشكال الغش والتزوير الأكاديمي الذي يضرب في عمق قيم التعليم العالي.
ويشير أعنان في سؤاله إلى أن “الصناعة الموازية” لإنتاج البحوث تستفيد أيضاً من ثغرات مؤسساتية وغياب نظام وطني موحد لمراقبة الأصالة العلمية. ففي وقت تعتمد فيه جامعات عالمية على برامج متطورة لكشف الانتحال مثل Turnitin وCompilatio، لا يزال استعمال هذه البرمجيات في الجامعات المغربية محدوداً وغير مؤطر برؤية موحدة، مما يسمح بمرور العديد من الأعمال الأكاديمية دون تدقيق حقيقي في مستوى الأصالة والالتزام بمعايير البحث العلمي.
وتساءل النائب البرلماني عن الإجراءات العملية التي اتخذتها الوزارة لمكافحة هذه الظاهرة، وعن مدى استعدادها لإعداد مشروع قانون يُجرّم صراحة بيع وشراء الرسائل الجامعية، ويحدد المسؤوليات القانونية للأطراف المتورطة، سواء كانوا طلبة أو وسطاء أو مقدمي خدمات خفية.
كما تساءل النائب البرلماني عن الخطوات المبرمجة لتعميم استعمال برامج الكشف عن الانتحال العلمي في الجامعات المغربية، وإرساء نظام وطني موحد لتدبير أخلاقيات البحث العلمي
وطرح أعنان أيضاً قضية الضغط البيداغوجي والأكاديمي الذي يعانيه الطلبة، داعياً الوزارة إلى اعتماد مقاربات تأطيرية جديدة من شأنها تعزيز مهارات البحث العلمي لديهم وتخفيف أسباب اللجوء إلى مثل هذه الممارسات غير الأخلاقية.
ومع اتساع دائرة النقاش حول هذه القضية، يتزايد الوعي بخطورة انتشار هذه الظاهرة على جودة التعليم العالي وعلى تنافسية الخريجين في سوق الشغل.