حينما نسف "الكابرانات" شعاراتهم الزائفة حول نصرة فلسطين
سمير الحيفوفي
يبدو المشهد أوضح من ذي قبل، وأكثر إقناعا للمزايدين وزمرة السوء، المتربصين الدوائر بالمغرب الذي يدافع عن فلسطين بالفعل والعمل، وقد ثبت أن النظام العسكري الجزائري لا يدافع عنها سوى بالصوت والصورة، وأنه متى حان وقت المواقف الحقيقية، ينتكس ويصغر ويصدح بملء فيه إن شعار "مع فلسطين ظالمة أو مظلومة"، إنما هو ستار لحرب دعائية تستهدف المملكة الشريفة ليس إلا.
ولم يكد يمر حدث ما دون أن يسارع نظام العسكر إلى ادعاء نصرة فلسطين والفلسطينيين بكل أطيافهم، لكن ما حدث في مجلس الأمن حينما صوت ممثله "عمار جامع" على مشروع القرار الأمريكي، القاضي بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية، مع تسجيل امتناع روسيا والصين، وما أعقب ذلك من تبرير لوزير الخارجية "أحمد عطاف" كون بلاده لا تعترف سوى بالسلطة الفلسطينية، لهو أكبر دليل على أن الجزائر لم تؤمن يوما بما كانت تدعي، بل كانت توظفه انتقائيا ومصلحيا لتنزيل أجندتها الوحيدة المتمثلة في مهاجمة المغرب والتشويش على ثوابته الوطنية.
ونسف النظام العسكري الجزائري بنفسه شعار "مع فلسطين ظالمة أو مظلومة"، وهو الذي استعمله كلما احتاج إلى واجهة أخلاقية، فأن يقف ممثله ضد ما تدّعي أنه يدافع عنه، ليكون التصويت عنوانا لسقوط القناع وانفضاح المستور بأن فلسطين لم تكن يوما هي قضية العسكر، لكنها مجرد أداة ضمن ترسانة المزايدات التي ظل يلوح بها النظام العسكري كلما أراد تنغيص أي نجاح يحققه المغرب.
وعلى مدى سنين طحنت الآلة الدعائية الجزائرية خطاب واحد ومستهلك مفاده أن المغرب قد "تخلّى عن فلسطين" بسبب سياسته الواقعية والحكيمة في تدبير العلاقات الدولية، بما فيها إحياء العلاقات مع إسرائيل لرأب الصدع في الشرق الأوسط وتثبيت السلام هناك، والاضطلاع بدور الفاعل البناء في التهدئة وتشجيع الحوار، بين أطراف النزاع، لكن حينما دعي الجميع إلى كشف مواقفه داخل أروقة مجلس الأمن، اختارت الجزائر مسلكا غير ما أوهمت به الجميع، ورفع ممثلها يده تأييدا لقرار يقضي بسحب السلاح من الفصائل الفلسطينية، في الوقت الذي يتغنى فيه نظام العسكر بأنه "قلعة المقاومة".
وكما انكشفت سوءة النظام العسكري، توطدت شوكة المغرب ورجاحة مقاربته القائمة على أن الشعارات واهية ويمكن رفعها بسهولة، لكن المواقف حين تشتد اللحظات لا يمكن تزويرها، وكما تخلى نظام "الكابرانات" عن فلسطين في أول مطب دبلوماسي، فإنها أثبتت للعالمين بما لا يدع مجالا للشك أن القضية المركزية للعسكر ليست فلسطين، بل مشروع واحد لا غير وهو. تفتيت عضد المغرب وافتعال كيان عبثي في الصحراء المغربية حتى تمر على ظهره إلى المحيط الأطلسي.
إن المغرب لم يرفع يوما شعارات للاستهلاك، ولدغدغة المشاعر فقط، بل تعامل مع القضية الفلسطينية بكل عقلانية لا بمنطق المزايدة، فجلالة الملك محمد السادس، بصفته رئيسا للجنة القدس، ظل وفيا لنهج أسلافه المنعمين بدعم الحقوق المشروعة للفلسطينيين، وتقديم المساعدات الإنسانية حينما يشتد أوار الحرب، مع الحفاظ على قدرة المملكة الشريفة في لعب دور الوسيط الموثوق، وإنه لنضج براغماتي يثير حنق العسكر الذين عادوا بخفي حنين من رحلة مجلس الأمن التي دامت سنتين.
اللافت أن تصويت الجزائر في مجلس الأمن ليس حادثا معزولا، بقدر ما هو دليل جديد على أن كل خطاباتها حول فلسطين ما هي إلا ستار يتدثر به "الكابرانات" للتجييش الداخلي والتحريض الخارجي، ضد المغرب الذي اختاروه عدوا مشجبا يعلقون عليه فشلهم الذريع في المضي ببلادهم قدما، ولكل هذا فالمواقف دوما تمايز وتفرق ما بين الدبلوماسية المغربية الناضجة والدعاية الجزائرية العسكرية.