المعارضة تتشبث بوجود تضارب مصالح في صفقات الأدوية.. والوزير يؤكد خضوع السوق للرقابة

الكاتب : انس شريد

19 نوفمبر 2025 - 06:30
الخط :

يتواصل الجدل داخل الأوساط السياسية والبرلمانية المغربية بشأن وضعية قطاع الأدوية، في ظل ما يشهده من توترات مرتبطة بارتفاع الأسعار وتنامي شبهات تضارب المصالح بين بعض المختبرات والمصحات الخاصة.

وقد تفجّر هذا النقاش بقوة خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026 داخل مجلس النواب، بعدما أثار عدد من البرلمانيين قضايا يعتبرونها تمس بشكل مباشر حق المواطنين في الولوج إلى العلاج، خاصة مع تنامي الشكايات المتعلقة بغلاء الأدوية الموجهة للأمراض المزمنة والسرطانات، وتسجيل تفاوتات ملحوظة بين الأسعار الرسمية وتلك المطبقة داخل بعض المصحات الخاصة.

وتشير أصوات برلمانية معارضة، خلال اجتماع لجنة القطاعات الإنتاجية بمجلس النواب، المنعقد اليوم الأربعاء، إلى أن الوضع لم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل، في ظل ما تعتبره “اختلالات بنيوية” تقتضي فتح تحقيق شامل حول مسالك توزيع الأدوية ونسب الأرباح وتراخيص التسويق، إلى جانب ضرورة التعاطي الجدي مع المعلومات المتداولة حول وجود تضارب مصالح داخل القطاع.

وقد وجّهت المعارضة انتقادات حادة للوزارة الوصية، محذّرة من تداعيات ترك الوضع كما هو عليه على ثقة المواطنين في المنظومة الصحية.

وفي هذا السياق، كشف رئيس الفريق الحركي، إدريس السنتيسي، أن ارتفاع أسعار الأدوية دفع بعض الأسر إلى اللجوء إلى “دفاتر الكريدي” لدى الصيدليات، معتبراً أن تعدد الوسطاء بين المستوردين والصيدليات يرفع التكلفة النهائية بشكل غير معقول.

وأكد أن خفض هامش الأرباح يتطلب قراراً سياسياً شجاعاً، مشدداً على أن التساؤلات المثارة حول تضارب المصالح تُطرح بشكل طبيعي ولا تستند إلى نوايا مسبقة.

وقال إن المطلوب اليوم هو تقديم أجوبة واضحة حول ما إذا كان تضارب المصالح قائماً أم لا، موضحاً أن الإشكال ليس في كون بعض المسؤولين يمتلكون شركات، بل في ضمان عدم تأثير هذه المصالح الخاصة على المال العام.

كما طالب بتوضيحات دقيقة حول وضعية المخزون الاستراتيجي للأدوية، الذي يفترض أن يبلغ 30 بالمائة وفق القوانين الجاري بها العمل، إلى جانب تسريع رخص التداول والأخذ بعين الاعتبار تأثير التأخر في منحها على ولوج الأدوية الجديدة للسوق.

من جانبه، حافظ رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، عبد الله بوانوو، على موقفه المتعلق بوجود تضارب مصالح في صفقات الأدوية، مؤكداً خلال اجتماع اللجنة أنه لا يستهدف الوزير شخصياً، لكنه متمسك بالمعطيات التي أعلن عنها سابقاً.

وكشف أن المجموعة قامت ببحث عبر بوابة الصفقات العمومية، خلص إلى حصول شركة مرتبطة بعائلة الوزير على صفقات مهمة سنة 2025، تراوح حجمها بين 32 مليون درهم مع الوزارة وعدد من الصفقات الأخرى مع المستشفيات الجامعية.

وقال إن هذه المعطيات تفرض، من وجهة نظره، تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، معتبراً أن لجوء أي مؤسسة أخرى للتحقيق لا يلغي صلاحيات البرلمان في هذا المجال.

وأوضح بوانو أن حديثه عن تضارب المصالح لا يستهدف رجال الأعمال بقدر ما يدعو إلى احترام القانون، مشيراً إلى أن حكومات سابقة ضمت وزراء رجال أعمال دون أن يُسجَّل هذا القدر من الجدل.

وأضاف أن البيان الذي أصدرته الوزارة بعد الجلسة التي أثار فيها الملف لم يقدم معلومات جديدة، كما أن عرض الوزير والمديرة العامة لوكالة الأدوية لم يتضمن، بحسب قوله، أجوبة كافية لتبديد الشكوك.

وأكد أن اللجنة البرلمانية المقترحة ستدينُه إن كان مخطئاً، وستنصفه إن كان كلامه صحيحاً، لكنه شدد على أن النقاش البرلماني يجب أن يبقى في مركزه الطبيعي دون تدخل يحد من دوره الدستوري.

أمام هذه الاتهامات، خرج وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، مدافعاً عن شفافية الصفقات العمومية داخل القطاع، داعياً إلى الارتقاء بمستوى الخطاب العمومي وتحصينه من المزايدات التي لا تخدم المواطنين.

وأكد الوزير أن جميع عمليات اقتناء الأدوية تخضع لرقابة صارمة من المصالح المختصة بوزارة المالية، وأنها تُعلن مسبقاً على البوابة الوطنية للصفقات العمومية، ما يجعلها بعيدة عن أي تدخل شخصي أو اجتهادات فردية.

وأبرز أن الجدل المرتبط بصفقة “البوتاسيوم” يستند إلى معطيات غير دقيقة، مؤكداً أنها أُسندت لشركة محلية منتجة وفق طلب عروض قانوني، خلافاً للادعاءات التي تحدثت عن منحها لشركة مستوردة ذات ترخيص مؤقت.

وفي ما يتصل بتضارب المصالح، شدد المسؤول الحكومي على أن الصفقات العمومية تبرم مع شركات وليس مع أشخاص، وأن تطوير الإطار القانوني المنظم لتضارب المصالح يبقى مسؤولية تشريعية مشتركة يمكن للبرلمان الاضطلاع بها.

وأشار الوزير إلى أن الحكومة شرعت في تنفيذ التوصيات الرقابية السابقة المتعلقة بتدبير التراخيص الدوائية، عبر إحداث الوكالة الوطنية للأدوية والمنتجات الصحية بموجب القانون 22.10، وهي مؤسسة مستقلة عهد إليها بضمان السيادة الدوائية وتنظيم السوق وتدبير مساطر الترخيص بجودة وصرامة أكبر.

ويبدو أن الجدل حول قطاع الأدوية في المغرب مرشح لمزيد من التفاعل خلال الأسابيع المقبلة، خاصة مع تمسك المعارضة بمطلب تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وحرص الحكومة على التأكيد بأن جميع الصفقات تحترم القانون.

وبين هذا وذاك، يظل المواطن المغربي في قلب النقاش، بحثاً عن نظام صحي أكثر عدلاً وشفافية وتوازناً، يضمن له الحق في العلاج دون أعباء مالية مرهقة أو شبهات تعيق الثقة في المؤسسات.

آخر الأخبار