بين مطالب الإصلاح وتطمينات الداخلية… التقسيم الانتخابي في قلب الجدل السياسي
قبل نحو عام من الاستحقاقات التشريعية المقررة في 2026، عاد موضوع التقسيم الانتخابي ليشعل نقاشاً محتدماً داخل المؤسسة التشريعية، وسط مطالب متزايدة بتحصين العملية الديمقراطية من كل ما قد يمسّ نزاهتها أو يحدّ من تنافسيتها.
فقد أكدت فرق المعارضة، خلال اجتماع لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة، أن الطريق نحو انتخابات شفافة يمرّ أساساً عبر محاربة استعمال المال في الحملات الانتخابية، ومراجعة التقطيع الانتخابي بما يضمن تكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين، معتبرة أن العملية الانتخابية لا تستقيم من دون ضمانات واضحة للمساواة في الحقوق والواجبات.
وشددت مداخلات المعارضة على أن التأطير القانوني للانتخابات ينبغي أن يكون مصحوباً بإرادة سياسية قوية لإرساء بيئة تنافسية عادلة، تُحترم فيها قواعد الديمقراطية وتتكامل فيها أدوار الأحزاب والمؤسسات والمراقبين.
واعتبر المتدخلون أن أجواء ما قبل الانتخابات تُعد لحظة حاسمة لتعديل الأعطاب التي راكمتها التجارب السابقة، وتدارك الاختلالات التي أفرزتها أنماط الاقتراع الحالية، خاصة في ما يتعلق بترسيم الدوائر الانتخابية وتوازنها الديموغرافي.
وفي هذا السياق، طالب فريق الاتحاد الاشتراكي للمعارضة الاتحادية بتصحيح ما وصفه بـ"اختلالات التقسيم الانتخابي"، مبرزاً أن الصيغة المعمول بها حالياً تمنح الأغلبية أفضلية غير مبررة في بعض الأقاليم، من خلال تمكينها من مقعدين اثنين بدل مقعد واحد، وهو ما تعتبره المعارضة مساساً بمبدأ العدالة التمثيلية.
وأكد رئيس الفريق البرلماني، عبد الرحيم شهيد، أن إصلاح التقطيع الانتخابي صار ضرورة ديمقراطية لضمان المساواة بين الدوائر، داعياً إلى اعتماد معايير دولية تستند إلى التوازن الديموغرافي وتكافؤ التمثيل.
وأشار شهيد إلى أن النظام الحالي الذي يسمح بوجود دائرتين في الإقليم الواحد، كما هو الحال في أزيلال والخميسات وتاونات، لم يعد مناسباً، مقترحاً العودة إلى اعتماد دائرة واحدة بخمس أو ستة مقاعد، على غرار نموذج أقاليم بني ملال وخريبكة والجديدة وسطات، بما يعيد الانسجام إلى الخريطة الانتخابية.
كما دعا إلى تخصيص دوائر محلية وأخرى للنساء، بالإضافة إلى دائرة للجالية المغربية بالخارج، مع مراعاة البعد الجغرافي في الدوائر الشاسعة لضمان تمثيل منصف.
في المقابل، قدم وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، رؤية مغايرة خلال رده على مداخلات النواب، مؤكداً أن عملية تحديد الدوائر وعدد المقاعد في كل إقليم ليست نتاجاً لاختيارات سياسية آنية، بل تخضع لمعايير وحسابات تقنية وتوقعات مرتبطة بمشاريع التقسيم الإداري المقبلة.
ونفى الوزير وجود أي نية لإقصاء حزب أو تيار معين، موضحاً أن الانتخابات السابقة أظهرت قدرة عدة أحزاب على تحقيق نتائج قوية في دوائر مختلفة، قبل أن تتراجع لاحقاً، مما يثبت أن المنافسة السياسية مفتوحة للجميع وأن التقطيع ليس عاملاً حاسماً في النتائج.
واعتبر أن خصوصيات بعض المناطق، بما فيها الامتداد الجغرافي والتجانس القبلي، تفرض أحياناً الفصل بين الدوائر لضمان تمثيل أفضل للساكنة.
ومع احتدام النقاش بين الحكومة والمعارضة، يبدو أن ملف التقطيع الانتخابي سيتحول إلى أحد العناوين البارزة في السباق نحو انتخابات 2026، في ظل إصرار المعارضة على مراجعة الخريطة الانتخابية وإعادة توزيع المقاعد بما يعكس التغيرات السكانية ويحدّ من الاحتقان السياسي.
وفي المقابل، تؤكد وزارة الداخلية أن التقطيع الحالي يستند إلى اعتبارات موضوعية بعيدة عن الحسابات الحزبية، وأن العملية الانتخابية ستظل مفتوحة أمام التنافس الحر ما دام المجال السياسي نفسه يشهد تغيرات مستمرة في موازين القوى.