تشخيص غير مسبوق لأعطاب الدار البيضاء.. ومسؤولون يعدون بجيل تنموي مختلف
تشهد مدينة الدار البيضاء منذ يوم أمس الخميس انطلاق سلسلة من اللقاءات التشاورية داخل مختلف عمالات المقاطعات، في إطار إعداد الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية، تنزيلاً للتوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش ليوم 29 يوليوز، والخطاب الملكي في افتتاح الدورة التشريعية الخامسة.
هذه اللقاءات التي تُعد محطة مفصلية في مسار التخطيط المحلي، تركز بشكل أساسي على تشخيص الأعطاب البنيوية التي ترهق العاصمة الاقتصادية، وفي الوقت نفسه تقييم منجزات المشاريع التنموية التي عرفتها المقاطعات الست عشرة خلال السنوات الأخيرة.
ووفق معطيات حصلت عليها "الجريدة 24" من مصادرها، فقد شارك ممثلو المجتمع المدني بقوة في هذه اللقاءات، مقدمين حصيلة دقيقة لما تعتبره الجمعيات اختلالات قائمة تهدد تماسك المدينة الاجتماعي والاقتصادي. انصبّت مداخلاتهم على مشكلات البنية التحتية المهترئة في عدد من المناطق، وضعف الخدمات الاجتماعية الأساسية، وغياب العدالة المجالية في توزيع المشاريع، وهو ما جعل مقاطعات مهمشة مثل سيدي مومن والحي المحمدي ومولاي رشيد تستمر في مواجهة تحديات مركّبة على مستويات التشغيل والسكن والخدمات العمومية.
وسجّل المشاركون بقلق بالغ استمرار مخاطر البنايات الآيلة للسقوط في أحياء مثل درب مولاي الشريف بالحي المحمدي ودرب السلطان، حيث تعيش أسر كثيرة تحت تهديد يومي بفعل التدهور الهيكلي، في غياب حلول سريعة وآمنة لإعادة الإيواء أو الترميم.
كما تم التشديد على أنّ الفوارق المجالية بين مقاطعات المدينة تتسع بشكل ينعكس سلباً على فرص الشباب في الاندماج الاقتصادي، وعلى جودة العيش لسكان المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.
وفي مداخلاتهم، أكد عمال عمالات مقاطعات الدار البيضاء أن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية جديدة تُحدث قطيعة مع اختلالات الماضي، من خلال إرساء برامج ترابية أكثر نجاعة وواقعية، تقوم على القرب والاستباقية والعدالة الاجتماعية.
وأبرزوا أن الجيل الجديد من البرامج سينبني على أربعة محاور أساسية، ممثلة في دعم التشغيل عبر استثمار المؤهلات الاقتصادية المحلية، وتقوية الخدمات الاجتماعية، خاصة في التعليم والصحة والتكوين، إضافة إلى تحسين تدبير الموارد المائية وفق مقاربة مستدامة، ثم التأهيل الترابي المندمج الذي يراعي التوازن بين مختلف مناطق المدينة.
وبالتوازي مع عملية التشخيص، طرح المجتمع المدني مجموعة من المقترحات العملية التي تم تقديمها باعتبارها حلولاً قابلة للتنفيذ ويمكن أن تُحدث أثراً ملموساً على المدى القريب والمتوسط.
من بين هذه المقترحات اعتماد خطة استعجالية لإعادة تأهيل البنية التحتية في المقاطعات المتضررة، بدءاً من إصلاح الطرق والمسارات الحضرية، وتحسين الإنارة العمومية، وتوسيع شبكات التطهير السائل التي تتعرض لضغط كبير خاصة في الأحياء الشعبية.
كما دعت الجمعيات إلى تعزيز الولوج إلى الخدمات الصحية عبر إحداث مراكز إضافية للتطبيب الأولي، وتجهيز المؤسسات القائمة بما تحتاجه من موارد بشرية وتقنية.
في المقابل، شدد المتدخلون على ضرورة توجيه استثمارات جديدة نحو تشغيل الشباب من خلال دعم المبادرات المحلية، وتشجيع المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتمكين الفاعلين المحليين من ولوج أسهل للتمويل.
كما قُدمت مقترحات تخص تطوير المناطق الصناعية الخفيفة داخل عدد من المقاطعات لتقريب فرص العمل من السكان، وتخفيف الضغط عن المناطق المركزية.
وتوقف ممثلو المجتمع المدني أيضاً عند الحاجة إلى إعادة هيكلة النقل العمومي داخل المدينة وتعزيز الربط بين المقاطعات، بما يساهم في تحسين حركة التنقل ويحد من العزلة التي يعاني منها سكان بعض المناطق.
كما تمت الدعوة إلى توسيع المساحات الخضراء، وحماية الموروث المعماري التاريخي داخل المدينة، باعتبارهما عنصرين أساسيين في إعادة الاعتبار للفضاء الحضري.
وتعد هذه اللقاءات، فرصة لإعادة ترتيب أولويات التنمية بالدار البيضاء وفق مقاربة تشاركية يلتقي فيها الفاعل الرسمي مع مكونات المجتمع المدني.
غير أن التحدي الأكبر يكمن في الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنفيذ بوتيرة فعالة، تسمح بإحداث التغيير الذي ينتظره ملايين السكان الذين يعيشون يومياً على وقع الضغط والازدحام والمشكلات الاجتماعية المتراكمة.
ويبقى الرهان الأساسي هو تحويل الرؤية الجديدة للتنمية الترابية إلى واقع ملموس عبر خطط قابلة للتطبيق، وميزانيات مناسبة، وحكامة تدبيرية أكثر صرامة وشفافية، بما يجعل العاصمة الاقتصادية نموذجاً حضرياً متجدداً يليق بمكانتها الاقتصادية والديمغرافية على الصعيد الوطني.