النفق القاري بين المغرب وإسبانيا يتحرك… أجندة جديدة تدفع المشروع نحو التنفيذ
عاد مشروع النفق البحري الرابط بين المغرب وإسبانيا عبر مضيق جبل طارق ليحتل صدارة النقاش الاستراتيجي بين البلدين، بعدما أكدت دراسات تقنية حديثة أن هذا الورش الضخم، الذي ظل حلماً قارياً لأكثر من نصف قرن، أصبح قابلاً للتنفيذ من الناحية الهندسية، وقادراً على الانتقال إلى مرحلة ما قبل الأشغال خلال السنوات القليلة المقبلة.
وبعد أربعة عقود من المداولات، جاءت المعطيات الجديدة الصادرة عن مؤسسات حكومية إسبانية وتقارير تقنية ألمانية لتعيد رسم معالم المشروع وتضعه على سكة جدية غير مسبوقة، مدفوعة بتقارب سياسي واقتصادي متنامٍ بين الرباط ومدريد.
وفي خطوة تُعد الأقوى منذ انطلاق الدراسات الأولى قبل خمسين عاماً، كلفت الحكومة الإسبانية، حسب التقارير الاسبانية، شركة INECO العمومية بإعداد التصميم التفصيلي للنفق الاستكشافي الأول، وهو ممر هندسي سيجري حفره بين “بونتا بالوما” في إسبانيا و”بونتا مالاباطا” في المغرب بهدف التحقق النهائي من البنية الجيولوجية وتثبيت المسار الأمثل للنفق الرئيسي.
وقد خصص لهذا التكليف، حسب التقارير الاسبانية، غلاف مالي يصل إلى 961.939 يورو ممول بالكامل من خطة التعافي والتحول الأوروبية، مع فرض أجندة زمنية صارمة تلزم بإنجاز التحديث الكامل للدراسة قبل غشت 2026 دون إمكانية التمديد.
ووفقا للمصادر ذاتها، يُعد النفق الاستكشافي خطوة محورية لأنه سيحدد بشكل قاطع ما إذا كانت القنوات الجيولوجية القديمة المعروفة بـ"الباليو-قنوات" قابلة للحفر الآمن، وهي المنطقة التي لطالما شكلت هاجساً لخبراء الجيولوجيا بسبب تراكمات الرواسب وعمقها المتباين.
وتشير الوثائق الهندسية إلى أن النفق الاستكشافي قابل للإدماج لاحقاً في البنية النهائية كممر أمان أو قناة صيانة، بل وقد يتحول إلى خط استراتيجي لتمرير شبكات الاتصالات والطاقة بين القارتين.
وتفرض خارطة الطريق التقنية، على شركة INECO إعادة تصميم المسار الإسباني للنفق وتحديد الموقع الجديد للمحطة الشمالية، حيث ترجح الدراسات أن يتم إحداثها قرب مدينة فيخير دي لافرونتيرا، مع ضمان الربط المباشر بشبكة القطارات بين قادس وإشبيلية.
ووفقا لما تداولته الصحافة الاسبانية فإن المهام تشمل أيضاً تحديث الخرائط الجيولوجية والبحرية، وإعادة تقييم الخصائص الجيوتقنية التي وضعت سنة 2007، وتحليل المخاطر الزلزالية، وتحديد مواقع المحاجر والمواد التي ستُستخدم في المشروع، بالإضافة إلى تحديث منظومات الأمن والتهوية لتلائم المعايير الأوروبية الحالية.
ووفق الأجندة الرسمية، يجب على INECO تقديم التصميم النهائي للنفق الاستكشافي قبل 30 يونيو 2026، على أن يتم تسليم النسخة النهائية للدراسة الأولية خلال غشت من العام نفسه.
وتشير الوثائق التي كشفت عنها الصحافة الاسبانية، إلى أن هذه المرحلة وحدها تتطلب ما يقارب 15 ألف ساعة من العمل التقني المتخصص، بمشاركة مهندسين وجيولوجيين وخبراء في السلامة والاتصالات.
وتقدر التوقعات الاسبانية أن تبدأ أولى عمليات الحفر الفعلية بحلول عام 2030، في حين يتوقع اكتمال النفق بين سنتي 2035 و2040، بتكلفة تتجاوز 8.5 مليارات يورو على الجانب الإسباني وحده، تشمل النفق الرئيسي، الأنفاق الجانبية، المحطات، والمنشآت اللوجستية.
ويأتي هذا الزخم الجديد بعد التطور الدبلوماسي الكبير في العلاقات المغربية الإسبانية منذ 2023، حيث بات المشروع جزءاً من التعاون الاستراتيجي بين البلدين في قطاعات الطاقة والربط السككي واللوجستيات، وواحداً من أكبر المشاريع العابرة للقارات التي تراهن عليها أوروبا وإفريقيا لتعزيز التواصل الاقتصادي.