أزمة الصحة النفسية تعود للواجهة وسط تحذيرات من ممارسات تهدد سلامة المغاربة

الكاتب : انس شريد

22 نوفمبر 2025 - 08:30
الخط :

يشهد المغرب في السنوات الأخيرة تنامياً ملحوظاً للمخاوف المرتبطة بانتشار المختلين عقلياً والمرضى النفسيين في الشوارع، بالتزامن مع اتساع ظاهرة أخرى لا تقل خطورة تتمثل في ممارسة الدعم النفسي والاستشارات النفسية من طرف أشخاص غير مؤهلين أكاديمياً ولا يتوفرون على أي ترخيص قانوني.

هذا الوضع دفع عدداً من البرلمانيين إلى دق ناقوس الخطر ومطالبة وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بالتدخل العاجل لوضع حد لفوضى غير مسبوقة تمس بشكل مباشر سلامة المواطنين واستقرارهم النفسي.

وفي هذا السياق، وجه النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، مصطفى إبراهيمي، سؤالاً كتابياً يستعرض من خلاله تصاعد ما وصفه بـ “الظاهرة الخطيرة” المتمثلة في ازدهار تكوينات قصيرة المدة في مجال علم النفس، لا تتجاوز في الغالب بضعة أسابيع أو شهور، تمنح في نهايتها “شهادات” غير معتمدة تُوهم أصحابها بامتلاك الكفاءة اللازمة لممارسة الاستشارة النفسية أو إنشاء فضاءات تقدم نفسها على أنها عيادات خاصة.

وأكد إبراهيمي في معرض سؤاله أن هذه التكوينات تُخرج إلى الساحة أفراداً يزاولون أنشطة أقرب ما تكون إلى العلاج النفسي، رغم غياب أي تأهيل أكاديمي أو إشراف علمي أو رخصة قانونية، مما يجعل المواطنين، وخصوصاً الفئات الهشة منهم، عرضة لخطر التلاعب النفسي والتشخيصات الخاطئة وسوء التوجيه، بل وتسجيل حالات يقدم فيها هؤلاء “الممارسون” وصفات وتوجيهات تتجاوز اختصاصهم بشكل خطير.

وأشار النائب البرلماني إلى أن شهادات عديدة من مناطق مختلفة، بما في ذلك المدن الكبرى والمراكز الصغرى والقرى، تكشف استقبال حالات نفسية معقدة لدى أشخاص لا يمتلكون أدنى تكوين متخصص، إضافة إلى تقديم استشارات عن بعد بأساليب تفتقر إلى أي أساس مهني.

وأكد أن التعامل مع الاضطرابات النفسية يتطلب تأهيلاً يمتد لسنوات من الدراسة والخبرة، وليس تكوينات سريعة لا تُخوّل لأصحابها أي ممارسة قانونية.

ومن هنا طرح مجموعة من الأسئلة الموجهة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية حول آليات ضبط هذه الممارسات، ومدى توفر الوزارة على وسائل لرصدها وتتبعها، إضافة إلى التدابير المنتظرة لتنظيم المجال وإطلاق حملات تحسيسية تُعرّف المواطن بالفارق بين الاختصاصي المؤهَّل والحاصل على تكوينات قصيرة لا ترتقي إلى مستوى المهنة.

وتتقاطع هذه التحذيرات مع سؤال برلماني آخر وجهه النائب البرلماني إبراهيم أعبا، عن الفريق الحركي الذي أكد بدوره أن الممارسة النفسية بالمغرب تعيش وضعاً “ملتبساً ومقلقاً” في ظل غياب إطار قانوني واضح ينظم مهنة علم النفس ويحمي الأمن النفسي للمواطن.

واعتبر أعبا أن غياب التقنين سمح بتوسع رقعة الدخلاء الذين يستغلون هشاشة المرضى ومعاناتهم، في الوقت الذي يجد فيه المختصون الحاصلون على تكوين أكاديمي أنفسهم مهمشين أمام انتشار ممارسات لا تخضع لأي ضوابط مهنية.

وأشار إلى أن مهنيين وأكاديميين من داخل القطاع سبق أن حذروا من “فوضى صادمة” تتسبب في التلاعب بآلام الناس، مما يستدعي –حسب قوله– وضع إطار تنظيمي صارم يحدد شروط الممارسة، ويضمن مراقبة مجال الاستشارات النفسية، ويضع حداً لتجاوزات تمس في العمق ثقة المواطن في المهن الصحية المنظمة.

ولا تقف الإشكالات المرتبطة بالصحة النفسية عند حدود انتشار الممارسات غير المؤطرة، بل تمتد أيضاً إلى وضعية مراكز الصحة النفسية التي تعيش خصاصاً بنيوياً مزمنًا. فقد أثارت النائبة البرلمانية ثورية عفيف، عن حزب العدالة والتنمية، الوضع الصعب الذي تعيشه مراكز الصحة النفسية بمختلف جهات المملكة، حيث يعاني العديد منها من نقص حاد في الأطباء النفسيين والأطر المتخصصة، إضافة إلى ضعف التجهيزات وغياب بنية تحتية ملائمة لتقديم خدمات علاجية ذات جودة.

ولفتت عفيف إلى أن هذا الخصاص يشتد أكثر في العالم القروي والمدن المتوسطة، إذ يضطر المرضى وأسرهم لقطع مسافات طويلة بحثاً عن الاستشارة أو العلاج، مما يفاقم معاناتهم ويجعل التكفل النفسي أقل قابلية للتحقق في الوقت المناسب، خصوصاً مع تزايد الحالات المرتبطة بالاضطرابات النفسية والعقلية.

وتساءلت النائبة البرلمانية الإجراءات التي تعتزم وزارة الصحة اتخاذها لسد هذا النقص وتحسين ظروف عمل هذه المراكز، وضمان عدالة الولوج إلى العلاج النفسي على امتداد الجهات، في ظل التحديات المتنامية التي يطرحها تطور الأمراض النفسية والاجتماعية وتزايد الضغوط الاقتصادية التي تضاعف الحاجة إلى خدمات القرب.

وتعكس هذه الأسئلة البرلمانية المتتالية حجم القلق المتصاعد بشأن وضع الصحة النفسية في المغرب، سواء من حيث انتشار الممارسات غير المؤهلة وغير القانونية، أو من حيث ضعف المنظومة العمومية وانعدام التكافؤ بين الجهات.

ومع الارتفاع المتواصل لحالات الاضطرابات النفسية وتزايد الضغط على الأسر، يرتفع سقف الانتظارات بشأن تدخل حكومي واضح يعيد الثقة في هذا القطاع الحساس، ويضمن حماية المواطنين من أي استغلال أو مخاطرة تتعلق بصحتهم النفسية، في انتظار بلورة سياسة وطنية شاملة تعيد ترتيب أولويات هذا الورش الحيوي.

آخر الأخبار