مخاوف من انتكاسة ديمقراطية بسبب ضعف مشاركة النساء في صياغة الإصلاحات الانتخابية
تتواصل المخاوف داخل الأوساط الحقوقية والسياسية بشأن تنامي مظاهر العنف السياسي ضد النساء داخل المؤسسات المنتخبة، في وقت يزداد فيه النقاش العمومي حول ضرورة تعزيز حضور المرأة في الحياة السياسية الوطنية، خصوصا مع اقتراب موعد انتخابات 2026.
ودقت “حركة من أجل ديمقراطية المناصفة”، التي تضم عددا من الجمعيات المدنية، ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتراجع مقلق في مسار تكريس المناصفة وتفعيل الديمقراطية التشاركية داخل مجلس النواب، محذّرة من أن هذه الممارسات باتت تهدد رصيد الثقة في المؤسسات الدستورية وتعرقل التقدم نحو مشاركة سياسية أكثر عدلاً وإنصافاً.
وجاء في رسالة مفتوحة وجهتها الحركة إلى أعضاء مجلس النواب أن غياب التفعيل الحقيقي للديمقراطية التشاركية، واستمرار مظاهر الإقصاء في بلورة مشاريع القوانين المرتبطة بالمنظومة الانتخابية، يعكسان انحسار إرادة سياسية حقيقية لتنزيل مبدأ المناصفة كما نص عليه الدستور.
وأوضحت الرسالة أن مسار إعداد مشاريع القوانين التنظيمية، وعلى رأسها مشروع القانون المتعلق بمجلس النواب والقوانين المرتبطة بالأحزاب السياسية واللوائح الانتخابية، شهد تغييباً شبه تام للمنظمات النسائية والقطاعات الحزبية المعنية بحقوق المرأة، رغم أن هذه النصوص سيكون لها أثر مباشر على ضمان مبدأ المساواة في التمثيلية.
وسجلت الجمعيات المدنية أن وزارة الداخلية باشرت، منذ الثاني من غشت 2025، مشاورات موسعة مع قادة الأحزاب السياسية، من دون دعوة الحركات النسائية أو الفاعلين المدنيين المتابعين لقضايا المناصفة، معتبرة أن هذا الإقصاء لا ينسجم مع روح الدستور ولا مع الالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين.
وأشارت الرسالة إلى أن تقديم تعديلات محدودة لبعض المواد داخل مجلس النواب، دون الانفتاح على مقترحات توسيع مشاركة النساء، من شأنه أن يعزز فجوة الثقة بين المواطنات والمؤسسات المنتخبة ويضعف فعالية الآليات التشاركية.
وأكدت الحركة أن تمثيلية النساء داخل مجلس النواب، والتي لا تتجاوز 24.3 في المئة، تبقى دون مستوى التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي، مشيرة إلى أن استمرار هذا المعدل المنخفض يعيق تحقيق هدف المناصفة المنصوص عليه دستورياً، ويحد من قدرة البلاد على تنفيذ التزاماتها الدولية المتعلقة بتعزيز المساواة السياسية.
كما نبهت إلى أن العنف السياسي ضد النساء، سواء في الفضاء الرقمي أو داخل المؤسسات، أصبح ظاهرة مقلقة تتراوح بين السب والتشهير والتقليل من الكفاءة، وصولاً إلى التضييق الممنهج على أداء المنتخبات وإقصائهن من مواقع التأثير وصنع القرار، مما يؤدي إلى إضعاف الديمقراطية ويعمّق الهشاشة داخل العمل السياسي.
وطالبت الرسالة بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لتصحيح المسار، من بينها تقديم النصوص القانونية كاملة ودون تجزئة، واعتماد مقاربة تشاركية في مناقشة وتأطير مشاريع القوانين التنظيمية، وتفعيل الرقابة البرلمانية على السياسات الخاصة بالمساواة ومناهضة العنف.
ودعت إلى إطلاق نقاش مؤسساتي ووطني حول سبل التمكين السياسي الحقيقي للنساء، بما يضمن انتقالاً فعلياً نحو مجتمع قائم على المساواة واحترام الحقوق الدستورية.
كما شددت الحركة على ضرورة إدماج مبدأ المناصفة في مختلف القوانين المتعلقة بالانتخابات والوظائف التمثيلية، وإقرار آليات عقابية واضحة وصارمة لمواجهة العنف السياسي ضد النساء، على غرار التشريعات المعمول بها في عدد من الدول التي قطعت أشواطاً مهمة في مجال تكريس المشاركة النسائية.
واعتبرت أن حماية المرأة المنتخبة وصون كرامتها السياسية يشكلان جزءاً لا يتجزأ من حماية الديمقراطية نفسها، باعتبار أن أي اعتداء أو تضييق يطال الفاعلات السياسيات ينعكس مباشرة على جودة التمثيلية ومصداقية المؤسسات.
وفي سياق متصل، يتسع النقاش الوطني حول مستقبل تمثيلية النساء في المغرب قبل انتخابات 2026، وسط إقرار واسع بأن تجربة “الكوطا” الانتخابية أسهمت في رفع عدد النساء داخل البرلمان، لكنها لم تحقق بعد الانتقال نحو المناصفة الفعلية.
وتُجمع مكونات سياسية ومدنية على أن الفجوة بين الخطاب السياسي والممارسات التشريعية والتنظيمية ما تزال قائمة، وأن الرفع من تمثيلية النساء يتطلب جرأة سياسية وإصلاحات بنيوية أكثر عمقاً.
وقد سارعت أحزاب سياسية، خلال الأشهر الأخيرة، إلى تقديم مقترحات تهدف إلى تعزيز الحضور النسائي داخل البرلمان والمجالس المنتخبة، من بينها رفع عدد المقاعد المخصصة للنساء ليبلغ ثلث مجلس النواب، وفرض ترؤس النساء أو الشباب للوائح محلية لضمان تجديد النخب، وربط الدعم العمومي للأحزاب بمدى التزامها بتفعيل هذه المعايير في هياكلها الداخلية وفي ترشيحاتها الانتخابية.
وتؤكد هذه الأحزاب أن الانتقال نحو ديمقراطية حديثة ومستقرة لا يمكن أن يتحقق دون مشاركة نسائية وازنة، ودون إزالة العراقيل التي تحد من حضورهن داخل الفضاءات السياسية.