هل تراجعت المعارضة عن كلامها بشأن تضارب المصالح في صفقات الأدوية؟
عاد ملف تضارب المصالح داخل الحكومة إلى الواجهة بقوة خلال الأيام الأخيرة، بعد الجدل الذي أثاره النائب البرلماني عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، حين كشف أثناء المناقشة العامة لمشروع قانون المالية بمجلس النواب عن منح وزير الصحة صفقةً خاصة باستيراد دواء "كلوريد البوتاسيوم" لوزير آخر داخل الحكومة.
هذا التصريح أحدث موجة واسعة من ردود الفعل داخل المؤسسة التشريعية وخارجها، وفتح الباب أمام نقاش عمومي حاد حول شفافية تدبير الصفقات واستقلالية القرار الحكومي.
وأمام تصاعد الجدل، سارعت وزارة الصحة إلى إصدار بلاغ توضيحي بعد ساعات قليلة من تداول تصريحات بوانو، أكدت فيه ندرة الدواء المذكور في السوق الوطنية، معتبرة أن الترخيص بالاستيراد تم بصفة مؤقتة واستثنائية، وأن عددا من الشركات حظيت بهذا الترخيص وفق شروط صارمة.
غير أن البلاغ لم ينف بشكل مباشر استفادة الوزير المعني من العملية، ما جعل الوثيقة محط انتقادات جديدة، بالنظر إلى أنها اكتفت بتبرير الإجراءات ولم تُجب بدقة عن جوهر الاتهامات.
وفي خضم هذا السجال، خرج مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، بتصريحات جديدة قال فيها إن بوانو "تراجع عن كلامه" خلال اجتماع اللجنة البرلمانية التي ناقشت الموضوع.
وأوضح بايتاس، خلال مشاركته في فعاليات قافلة "نقاش الأحرار" بمدينة تمارة، أن النائب البرلماني طلب داخل اللجنة عدم الاستمرار في الخوض في الموضوع.
واعتبر الناطق الرسمي أن إثارة موضوع تضارب المصالح لم يكن سوى محاولة لخلق نقاشات ظرفية تمتد لأسبوعين ثم تتلاشى دون أساس متين، منتقدا ما وصفه بمحاولات "إشغال الفضاء العام" بقضايا يتم التراجع عنها لاحقا.
وفي السياق ذاته، اتهم بايتاس بعض خصوم حزب التجمع الوطني للأحرار بالسعي إلى "شيطنة التجربة الحكومية" وبناء رهانات سياسية انتخابية عبر افتعال ملفات جانبية. وأكد أن النقاش السياسي، بحسب تقديره، يعرف تجاذبات تحاول استغلال بعض الجوانب المرتبطة بتدبير الشأن الحكومي لصناعة حملات انتخابية قبل أوانها.
ويبدو أن الحكومة تتعامل مع الجدل المتعلق بتضارب المصالح باعتباره جزءا من معارك سياسية ولا يعكس، في نظرها، وجود اختلالات حقيقية في تدبير الصفقات.
وفي سياق متصل، أصدر وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، يوم أمس الإثنين، بيانا توضيحيا موجها للرأي العام، نفى فيه وجود أي خرق للقانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة، وذلك ردا على ما نشرته بعض المواقع الإخبارية حول استمرار توليه مهاما داخل شركتين خاصتين.
وأكد الوزير في بيانه أنه قدم استقالته من جميع الشركات بتاريخ 23 أكتوبر 2024، وأن هذه الاستقالات تم توثيقها قانونيا لدى السلطات العمومية في اليوم الموالي، مع إشعار مجالس الإدارة دون أي أجل إخطار.
وأوضح الوزير أن استقالته تترتب عنها الآثار القانونية بمجرد إيداعها لدى الشركات عبر محررات ثابتة التاريخ، مشددا على أن التسجيل في السجل التجاري يظل مجرد إجراء إشهادي لا يؤثر على سريان مفعول الاستقالة.
كما استعرض مقتضيات المادة 33 من القانون التنظيمي، التي تستثني الشركات ذات النشاط المالي المحض من حالات التنافي، مشيرا إلى أنه رغم هذا الاستثناء بادر إلى تقديم استقالته حرصا على الشفافية وتفاديا لأي لبس.
وجدد برادة تأكيد التزامه بالمساطر المنظمة لعمل أعضاء الحكومة وحرصه على احترام مبادئ الشفافية والمسؤولية، معتبرا أن ما راج حول تضارب مصالحه يدخل في نطاق "محاولات لتغليط الرأي العام".
وتزامن هذا البيان مع تزايد الاتهامات الموجهة لبعض أعضاء الحكومة بشأن علاقاتهم المفترضة بشركات خاصة، ما ساهم في تغذية النقاش حول حدود الفصل بين المسؤولية الحكومية والأنشطة المهنية السابقة لأصحاب المناصب الوزارية.
ويظهر من مجمل ردود الفعل الحكومية وتوضيحات الوزراء أن السلطة التنفيذية تحاول قطع الطريق أمام ما تعتبره "قراءات مغلوطة" أو "تأويلات سياسية" للملفات المتعلقة بالصفقات والتنافي،
بينما ترى المعارضة البرلمانية أن هذه القضايا تستدعي مزيدا من التدقيق والشفافية، خاصة في ملف مثل الأدوية.