في أزقة العاصمة الرباط تحت الأضواء الباهتة والمظلمة أحيانا أخرى، وحين يخلد أغلب السكان إلى أسرتهم الدافئة، تبدأ حكاية أخرى… حكاية رجال يقفون في مواجهة البرد، والعتمة، والإهمال والسكون.. إنهم حراس الليل، أولئك الذين يحرسون السيارات، والأزقة، وبعض المنازل، دون صفة قانونية واضحة، ودون حماية اجتماعية، لكن بحضور يومي لا يخطئه سكان الأحياء.
البرد أقسى من القانون
ومع حلول الشتاء، يتحول الليل بالنسبة لحراس الأزقة إلى امتحان قاسٍ.. حيث برد يخترق الجلد لينخر العظام، وأمطار الرحمة تخترق الأرض، ولا مأوى يقيهم لهيب الرطوبة.
مؤخرا، وجدت هذه الفئة نفسها في مواجهة قرار جديد للسلطات المحلية بالرباط، يقضي بسحب ومصادرة كل "الكاريطات" التي كان بعض الحراس يستعملونها كحل مؤقت للاحتماء من قسوة الطقس وغزارة الأمطار.
هذه "الكاريطات"، التي تجهز أحيانا بعجلات أو خشب مهترئ أو من المتلاشيات ليتم جرها بعيدا عن الأزقة والشوارع بعد انتهاء ساعات العمل، حاول الحراس من خلالها التوفيق بين مطلب العيش الكريم واحترام جمالية المدينة.. لكن المحاولة باءت بالفشل.
اليوم، لم يعد أمام الكثيرين سوى الاحتماء بمداخل العمارات، أو تحت شرفات وأركان وزوايا ضيقة لا تغمرها قطرات المطر، ولا تهجم عليها الرياح بقوة، حتى وإن كان الثمن قضاء الليل في البرد القارس.
"نحرس بأجسادنا"
محمد، أحد حراس الليل بالرباط، تحدث "للجريدة 24" بصوت متعب ومتألم، لكنه صادق. يقول إنه أجرى عملية جراحية مؤخرا، ولم يتعاف بعد بشكل كامل.
"البرد كيدير ليا آلام حادة، ولكن واش نحبس الخدمة؟ عندي أسرة كاملة كنصرف عليها".
محمد لا يكتفي بالحراسة فقط. فبالنسبة له، الليل ليس مجرد مراقبة صامتة: "كنعاون الناس، خصوصا الشيوخ والعجائز. كنطلع ليهم بوطا الكاز، والخضر، وقضاء أغراض بسيطة من الحانوت… هادي ماشي سرقة، هادي خدمة".
ويرى محمد أن وجود حارس ليلي يمنح إحساسا بالأمان، خاصة للنساء.. "كاين بزاف ديال العيالات كيمشيو للحانوت بالليل غير حيت عارفين باللي أنا هنا".
الكاميرات بديلا؟
في المقابل، يقول جمال، حارس ليلي آخر، إن السلطات المحلية أخبرتهم بأن الكاميرات ستقوم مقامهم، "قالو لينا ركبو الكاميرات، وهي دير الخدمة ديالكم".
لكن هذا الطرح يواجه اعتراضا من السكان. عادل، أحد قاطني حي رباطي، يؤكد أن الكاميرات لا تعوض أبداً خدمات القرب.
"الحارس كيتدخل فورا: إلى كان شي مشرد باغي يكسر طوموبيل، ولا شي محاولة سرقة، كيتصدى ليها دابا. الكاميرا غير كتسجل… ومن بعد خاصك تمشي للبوليس وتدخل فمساطر معقدة".
كمال، ساكن آخر، يستحضر تجربة شخصية مؤلمة، أخته تعرضت لسرقة تحت التهديد بالسلاح الأبيض في أحد أزقة الرباط سلب منها هاتفها، "مشات الشكاية، رجعنا للكاميرات، داز عام كامل وما عرفناش الجاني. فالأخير ملينا… وضاع الهاتف، وضاعت الأعصاب".
احتقار وإقصاء
أصعب ما يواجه حراس الليل، حسب شهاداتهم، ليس فقط البرد أو غياب المأوى، بل طريقة التعامل.
"كنحسو براسنا كيعاملونا بحال شي مجرمين، بحال خارجين عن القانون"، يقول أحدهم.
اليوم، بدأ بعض الحراس، بالعاصمة، يفكرون عمليا في كيفية التخلي عن هذه "المهنة"، التي لا تعدو ان تكون بطالة مقنعة… إن كان يصح تسميتها كذلك. لكن السؤال الذي يطرحه سكان الأزقة بقلق: من سيحرس الليل حين يختفي حراس الظل؟
دور لا ينكر
بين قرارات السلطة، وهواجس الجمالية الحضرية، وواقع اجتماعي قاسٍ، يقف حراس الليل في منطقة رمادية، لا اعتراف قانوني، ولا حماية، ولا بديل حقيقي.. ومع ذلك، يواصلون أداء دور يعتبره سكان الأحياء أساسيا في الإحساس بالأمن وتقديم خدمات القرب.
في ليل الرباط البارد، لا تسمع أصواتهم كثيرا… لكنها حاضرة بفعل الواقع،في كل زقاق تنعم بقليل من الطمأنينة.