تفاوتات في الإيواء والنقل والتجهيزات تعري محدودية المدارس الجماعاتية

الكاتب : انس شريد

29 نوفمبر 2025 - 08:30
الخط :

تثير وضعية المدارس الجماعاتية في الوسط القروي نقاشاً واسعاً داخل الأوساط التربوية والسياسية، خاصة في ظل استمرار الاختلالات التي تعيق أداء هذه المؤسسات التعليمية بالرغم من الرهانات الكبيرة المعقودة عليها لتحسين شروط التمدرس وتقليص الفوارق المجالية.

فقد تحولت هذه المدارس إلى محور جوهري في النقاش العمومي حول إصلاح المنظومة التربوية، باعتبارها نموذجاً يفترض أن يعالج إشكالات تشتت الفرعيات وصعوبة الولوج إلى التعليم في المناطق النائية.

وتكشف المؤشرات الميدانية، أن عدداً من المدارس الجماعاتية ما يزال يواجه صعوبات حقيقية تتعلق بالبنيات التحتية والموارد البشرية والخدمات الاجتماعية المدرسية، حيث يشتكي العديد من التلاميذ والأسر من محدودية الداخليات وعدم قدرتها على استيعاب جميع المستفيدين، بينما تفتقر مؤسسات أخرى إلى هذه الخدمة بشكل كامل، ما يضع التلاميذ أمام مسافات طويلة وشروط تمدرس مرهقة.

كما أن خدمات الإطعام والنقل المدرسي تعرف تفاوتاً كبيراً بين مؤسسة وأخرى، وهو ما ينعكس مباشرة على نسب الهدر المدرسي، خاصة وسط الفتيات.

وبينما يُنظر إلى المدارس الجماعاتية كبديل عملي للفرعيات المنتشرة في المناطق القروية، فإن استمرار الاعتماد على أغلب هذه البنيات الصغيرة يخلق ازدواجية في تدبير الموارد ويقلل من فعالية النموذج.

من جهة أخرى، تمثل وضعية الأساتذة داخل هذه المؤسسات نقطة سوداء أخرى، حيث يبرز ضعف توفير السكن الوظيفي بوصفه عاملاً يحد من استقرار الأطر التربوية في الوسط القروي، ويؤثر على جاذبية هذه المواقع بالنسبة للمعلمين، وهو ما ينعكس بدوره على انتظام السير الدراسي وجودة التعلمات.

هذا الوضع دفع المؤسسة التشريعية إلى طرح أسئلة حول مدى نجاعة هذا النموذج. وفي هذا السياق، وجهت النائبة البرلمانية نزهة مقداد، عن التقدم والاشتراكية سؤالاً كتابياً إلى وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة حول واقع المدارس الجماعاتية، مؤكدة أن المعطيات الواردة من عدة جهات تشير إلى غياب انسجام في معايير التجهيز والإيواء والتغذية والنقل المدرسي.

وأكدت أن ضعف التأطير القانوني لهذه المؤسسات يزيد من تشتت المتدخلين في تدبيرها، ويؤثر على تقييم أدائها وتحديد مسؤوليات كل طرف.

ونبهت مقداد في معرض سؤالها إلى أن عدداً من المؤسسات تحمل اسم “مدرسة جماعاتية” دون أن تستجيب فعلياً للمعايير التي يفترض أن تحدد هذا النموذج، سواء على مستوى البنيات التحتية أو الخدمات الاجتماعية أو الموارد البشرية، ما يؤدي إلى تفاوتات مجالية واضحة في الاستفادة من هذه التجربة.

كما دعت الوزارة إلى تقديم تقييم دقيق حول مدى تأثير هذه المؤسسات على جودة التعلمات وعلى معدلات التمدرس في الوسط القروي، خاصة في ظل استمرار الإشكالات المتعلقة بالنقل والإيواء.

وتطالب أصوات تربوية وتشريعية بوضع إطار قانوني واضح يؤطر المدارس الجماعاتية ويحدد شروط إحداثها وتوسيعها ومعايير الحكامة المطبقة عليها، بما يحد من تعدد المتدخلين ويضمن استدامة التمويل وتوحيد آليات التقييم.

كما تدعو هذه الأصوات إلى تعزيز تجهيزات المدارس الجماعاتية وتطوير خدمات الدعم الاجتماعي، بما يجعلها نموذجاً فعلياً قادراً على تقليص الفوارق وتحسين جاذبية المدرسة العمومية في القرى والمناطق النائية.

وبين الانتظارات الكبيرة والإكراهات القائمة، تستمر المدارس الجماعاتية في قلب النقاش حول مستقبل التعليم في العالم القروي، وسط دعوات متزايدة لإعادة تقييم التجربة وتعديل مسارها بما ينسجم مع أهداف الإصلاح التربوي وتوجهات النموذج التنموي الجديد، حتى تتحول هذه المؤسسات إلى رافعة حقيقية لجودة التعلمات ولتكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ.

آخر الأخبار