المياه المعبأة تحت المجهر.. المرصد يحذر من تهديد صحي يواجه المغاربة
يتصاعد القلق داخل الأوساط الصحية والحقوقية المغربية بشأن المخاطر المحتملة للمياه المعبأة في القنينات البلاستيكية، بعد صدور دراسات علمية حديثة تؤكد وجود نسب مقلقة من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة والنانوية في هذه المنتجات، وهو ما دفع المرصد المغربي لحماية المستهلك إلى دق ناقوس الخطر والدعوة إلى تدخل عاجل لحماية صحة المواطنين.
وأكد المرصد، في بلاغ رسمي، أنه يتابع باهتمام بالغ نتائج الأبحاث المنشورة أخيراً، والتي تكشف عن مستويات مرتفعة من الميكروبلاستيك والنانو بلاستيك داخل المياه المعبأة المعروضة في الأسواق.
وكشفت دراسة حديثة نشرتها مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences أن قنينات المياه البلاستيكية قد تحتوي على ما بين 110 آلاف و370 ألف قطعة بلاستيكية في كل لتر واحد من الماء، إلى جانب ملايين الجسيمات النانوية غير العضوية التي يمكن أن تخترق خلايا الجسم بسهولة وتؤثر على الغدد الصماء.
وبحسب مراجعة علمية صادرة عن مجلة Frontiers سنة 2023، فإن مثل هذه الجزيئات قد تشكل عاملاً يزيد خطر الإصابة بأمراض مزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم واضطرابات هرمونية على المدى الطويل، بينما تؤكد تقنيات التحليل الكيميائي الحديثة قدرة العلماء على رصد هذه الجسيمات بدقة، ما يجعل الموضوع قضية صحية عالمية ملحّة.
وفي السياق المغربي، يشير المرصد إلى أن استهلاك المياه المعبأة يعرف ارتفاعاً ملحوظاً في المدن الكبرى والمناطق الحارة، ما يجعل فئات واسعة من المستهلكين معرضة لمخاطر متعددة، خاصة بسبب الممارسات غير السليمة المتصلة باستعمال القنينات البلاستيكية.
ومن أبرز هذه السلوكيات، حسب البلاغ، إعادة استعمال القنينات المخصصة للاستعمال مرة واحدة دون تعقيم، ما يزيد من احتمالية تلوث الماء بالبكتيريا والجزيئات البلاستيكية، إضافة إلى تعريض القنينات لأشعة الشمس أو الحرارة، سواء أثناء التخزين في المتاجر أو داخل السيارات، ما يؤدي إلى تسرب مواد كيميائية خطرة مثل BPA والفثالات.
كما أن تخزين القنينات لفترات طويلة في ظروف غير مناسبة قد يعزز انتشار الجزيئات النانوية، إلى جانب تجاهل تاريخ الإنتاج أو انتهاء الصلاحية، وهو ما قد يعرض المستهلك لمياه متدهورة الجودة. ويرى المرصد أن هذه العوامل، مجتمعة مع ضعف مراقبة بعض نقاط البيع، حولت سلامة المياه المعبأة إلى قضية صحية وطنية تتطلب تحركاً تشريعياً ورقابياً وتوعوياً فورياً.
ويذكّر المرصد بأن حماية المستهلك المغربي مؤطرة بنصوص قانونية واضحة، أبرزها القانون رقم 08-31 المتعلق بحماية المستهلك، ولاسيما المواد 3 و4 و5 التي تلزم المورد بضمان جودة وسلامة المنتجات وتوفير معلومات صحيحة وواضحة للمستهلك.
كما يحيل على القانون 28-07 الخاص بالسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، الذي يخضع لشروط صارمة في النقل والتخزين وفق معايير المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA)، إضافة إلى المقتضيات التقنية والتنظيمية المتعلقة بالمياه المعبأة والتي تحدد نوعية المواد البلاستيكية المسموح بها والضوابط الصحية التي يجب احترامها خلال الإنتاج والتوزيع.
ودعا المرصد المستهلكين إلى تجنب تعريض القنينات البلاستيكية للحرارة أو أشعة الشمس، وعدم إعادة استعمال القنينات الموجهة للاستعمال مرة واحدة، وتفادي شراء المياه من محلات لا تحترم شروط التخزين، مع ضرورة التحقق من تاريخ الإنتاج والصلاحية قبل اقتناء القنينة.
كما شجع البلاغ على استعمال القنينات الزجاجية أو البلاستيك الصحي المعاد تدويره (RPET) كلما كان ذلك ممكناً، نظراً لكونه أقل خطراً على الصحة.
وانطلاقاً من هذه المستجدات العلمية ومن الإطار القانوني الوطني، يطالب المرصد بإلزام الفاعلين الاقتصاديين باحترام شروط الجودة والسلامة وفق المادة 3 من قانون حماية المستهلك، وتكثيف المراقبة الميدانية من طرف ONSSA والسلطات المختصة، خاصة خلال الفصول الحارة التي تشهد ارتفاعاً كبيراً في استهلاك المياه المعبأة.
كما يدعو إلى إطلاق حملات وطنية واسعة لتوعية المواطنين بمخاطر تخزين القنينات البلاستيكية تحت الشمس أو إعادة استعمالها، وإلى مراجعة المعايير التقنية للمياه المعبأة من أجل اعتماد مواد بلاستيكية أكثر أماناً وخالية من BPA والجزيئات النانوية الضارة. ويشدد المرصد على ضرورة فرض عقوبات صارمة على كل موزع أو نقطة بيع لا تلتزم بشروط التخزين الصحي واحترام سلامة المنتج.
وختم المرصد بلاغه بالتأكيد على التزامه الدائم بالدفاع عن صحة وسلامة المستهلك المغربي، مبرزاً أن حماية المياه المعبأة مسؤولية مشتركة بين الدولة والموردين والمستهلكين، وأن تطبيق القوانين بشكل صارم واعتماد بدائل صحية متاحة يبقى السبيل الوحيد لضمان حماية المواطنين من المخاطر الصحية المتزايدة المرتبطة بالقنينات البلاستيكية.