بين أسواق المتلاشيات والمحاجز البلدية.. الدار البيضاء تتحرك لإنهاء الأزمة

الكاتب : انس شريد

30 نوفمبر 2025 - 06:30
الخط :

تشهد مدينة الدار البيضاء حراكًا غير مسبوق يقوده مجلسها الجماعي في محاولة لوضع حد لأزمة مزمنة ظلت لسنوات طويلة تُثقل كاهل العاصمة الاقتصادية.

فقد تحولت المحاجز البلدية، التي يُفترض أن تكون منشآت تنظيمية لضبط السير والجولان، إلى فضاءات تغمرها الفوضى والعشوائية، بعدما تراكمت داخلها آلاف المركبات والدراجات النارية والمتلاشيات التي تجاوزت مدد الاحتفاظ القانونية دون أن يتقدم أصحابها لاسترجاعها.

هذا الوضع المتفاقم خلق إشكالات أمنية وتنظيمية وبيئية، وأفرز ضغطًا كبيرًا على موارد الجماعة ومساحاتها العمومية، ليصبح التدخل العاجل ضرورة ملحّة قبل الاستحقاقات الوطنية والدولية المقبلة التي تستعد المدينة لاحتضانها.

وفي خطوة عملية تهدف إلى تفكيك هذا الإرث الثقيل، تتجه جماعة الدار البيضاء خلال دورة استثنائية ستعقد يوم الثلاثاء المقبل إلى دراسة والتصويت على مشروع اتفاقية انتداب شركة التنمية المحلية “الدار البيضاء للبيئة” من أجل تأهيل وتجهيز المحجز الجماعي بأولاد عزوز.

ويأتي هذا التوجه تعبيرًا عن رغبة واضحة في الانتقال من التدبير التقليدي العشوائي إلى نموذج حديث يوفر شروط الحكامة ويضمن مراقبة فعّالة للمحجوزات منذ لحظة إدخالها إلى حين تصفيتها.

بالتوازي مع ذلك، تستعد الجماعة لإطلاق سلسلة من المزادات العلنية لبيع أعداد كبيرة من السيارات والدراجات النارية والدراجات ثلاثية العجلات التي تُركت داخل المحاجز لأكثر من سنة دون مطالبة أصحابها باسترجاعها، وهو الإجراء المنصوص عليه قانونيًا ضمن مساطر الصفقات العمومية.

ويُرتقب أن يسهم هذا القرار في تصفية جزء مهم من المتلاشيات المتراكمة، وتخفيف العبء المالي واللوجستي الذي تتحمله الجماعة نتيجة الحراسة والصيانة وإدارة تلك المركبات.

وتأتي هذه القرارات في سياق تعليمات مباشرة أصدرها والي جهة الدار البيضاء–سطات، محمد امهيدية، الذي دعا إلى ضرورة تسريع وتيرة معالجة هذا الملف، باعتباره يشكل أحد أهم نقاط الضعف التدبيرية داخل المرافق الجماعية.

وقد سبق للوالي أن عقد اجتماعًا رفيع المستوى بالولاية جمع مسؤولين جماعيين وأمنيين وقضائيين لوضع خطة استعجالية لتحديث المحاجز وتجهيزها بشكل ينسجم مع المعايير القانونية والتنظيمية، وذلك ضمن استعدادات المدينة لاحتضان تظاهرات رياضية دولية كبرى تتطلب مستوى أعلى من الانضباط والنظافة والتنظيم.

ويراهن مسؤولو الدار البيضاء على أن تسهم هذه المقاربة الجديدة في تحرير آلاف الأمتار المربعة من المساحات العمومية المهدورة، والتي يمكن إعادة توظيفها في مشاريع تنموية ذات طابع اجتماعي أو عمراني، خاصة في الأحياء التي تعاني خصاصًا حادًا في المرافق العمومية.

وتعتبر الجماعة أن نجاح هذه العملية سيكون خطوة أولى ضمن رؤية شاملة لإعادة تدبير الملك العمومي المحلي بطريقة عقلانية تسمح بالاستفادة من كل متر مربع داخل المدينة المكتظة.

وعلى امتداد مناطق واسعة من الدار البيضاء، تتقاطع أزمة المحاجز مع فوضى أسواق المتلاشيات التي تشكل وجهًا آخر من وجوه العشوائية المؤثرة على جمالية المدينة وجودة عيش سكانها. فقد تحولت مناطق مثل الحي الحسني والسالمية 2 وليساسفة وعين السبع إلى بؤر تعج بورشات إصلاح السيارات ومحلات بيع قطع الغيار المستعملة المنتشرة وسط أكوام من الخردة والنفايات.

وتخلق هذه الأنشطة بيئة غير صحية تتداخل فيها الأصوات المرتفعة للمحركات مع روائح الزيوت المحترقة والنفايات الصناعية، في ظل غياب واضح للمراقبة وضعف التجهيزات الأساسية.

ولتجاوز هذه الفوضى المتنامية، تتجه جماعة الدار البيضاء نحو تنفيذ مشروع ترحيل تجار المتلاشيات وقطع الغيار المستعملة، المعروفين بـ“لافيراي”، من الأحياء السكنية والأسواق العشوائية إلى منطقة مديونة، حيث تم تخصيص وعاء عقاري لإقامة فضاء منظم يُجمع فيه مزاولو هذا النشاط داخل سوق مجهز يستجيب لشروط السلامة والنظافة ويضمن بيئة مهنية مُحكمة تراعي المعايير الاقتصادية والاجتماعية.

وتطمح الجماعة من خلال هذه الخطوات المتقاطعة إلى استعادة جزء من التوازن داخل المدينة، عبر مواجهة أحد أكثر الملفات تعقيدًا والمتوارثة منذ سنوات، وإعادة الاعتبار لصورة الدار البيضاء كعاصمة اقتصادية تُواكب التطورات العمرانية وتستجيب لانتظارات سكانها.

آخر الأخبار