مسلسل العزل يتصاعد داخل الجماعات الترابية قبل انتخابات 2026
تشهد الساحة السياسية بالمملكة منذ أسابيع دينامية غير مسبوقة على مستوى تفعيل مسطرة العزل داخل عدد من الجماعات الترابية، وهي دينامية تعكس حالة يقظة متزايدة لدى السلطات الإدارية والقضائية إزاء أي اختلالات يمكن أن تمس تدبير الشأن المحلي قبل أقل من عام على الاستحقاقات الجماعية المزمع تنظيمها سنة 2026.
ورغم أن مسطرة العزل ليست جديدة في حد ذاتها، إلا أن وتيرتها الحالية وما رافقها من قرارات قضائية وإحالات متعددة أعادتا الجدل حول واقع الحكامة داخل المؤسسات المنتخبة ومدى احترام قواعد الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي هذا السياق، أصدرت المحكمة الإدارية الابتدائية بفاس حكماً يقضي بعزل عصام الخمليشي من رئاسة وعضوية مجلس جماعة تارجيست، إضافة إلى ستة مستشارين آخرين، مع ترتيب جميع الآثار القانونية والتنفيذ المعجل.
وجاء هذا الحكم بعد طلبات تقدّم بها عامل إقليم الحسيمة على خلفية شبهات فساد مالي وإداري ذات صلة بتسيير الجماعة، وهي ملفات توجد حالياً تحت أنظار النيابة العامة المكلفة بجرائم الأموال لدى محكمة الاستئناف بفاس.
وبصدور هذا الحكم، تكون جماعة تارجيست قد التحقت بقائمة جماعات شهدت في الفترة الأخيرة تدخلات قضائية وإدارية وُصفت بالحاسمة.
كما طالت قرارات التوقيف والعزل جماعة تازروت بإقليم العرائش، حيث توصل رئيس المجلس أحمد الوهابي بقرار يقضي بتوقيفه مؤقتاً عن مهامه، في انتظار حكم المحكمة الإدارية بطنجة في طلب العزل المرفوع من طرف عامل الإقليم.
ويستند هذا الملف إلى خروقات مرتبطة بالتعمير وسير العمليات الإدارية والمالية للجماعة، وفق ما كشفت عنه تقارير تفتيش رسمية.
وتبرز هذه الحالة مرة أخرى الدور الذي باتت تلعبه المراقبة الإدارية في ضبط أي تجاوزات تتعلق بتدبير التراخيص والمشاريع المحلية.
وفي خريبكة، قضت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء بعزل رئيس مجلس جماعة لكفاف عبد الإله بنحدو، إلى جانب مستشار ورئيس سابق للجماعة، مع شمول الحكم بالنفاذ المعجل.
وجاء القرار عقب إحالة الوكيل القضائي للمملكة لملفات تتضمن طلبات العزل، مما دفع عامل الإقليم إلى توقيف المعنيين ومنعهم من توقيع الوثائق الرسمية أو استعمال ممتلكات الجماعة إلى حين البت القضائي.
وتبرز هذه النازلة حجم التوتر داخل بعض المجالس نتيجة تراكم ملاحظات التفتيش والتدقيق المالي.
وامتدت موجة العزل إلى جماعة برشيد التي عاشت خلال الفترة الأخيرة تفاعلات واسعة بعد صدور حكم يقضي بعزل رئيسها طارق القادري وأربعة من نوابه وثلاثة مستشارين آخرين، استناداً إلى تقارير من المفتشية العامة للإدارة الترابية خلصت إلى وجود اختلالات اعتُبرت جسيمة وتمس السير الطبيعي للمرفق الجماعي.
وقد سبق هذا الحكم قرار توقيف من وزارة الداخلية، قبل أن يُحال الملف على القضاء للحسم في الوضع القانوني للمجلس.
وبالتزامن مع هذه التطورات، أعلن باشا مدينة برشيد عن فتح باب الترشيحات لرئاسة المجلس خلال الفترة الممتدة بين 2 و6 دجنبر الجاري، في إجراء يهدف إلى ضمان استمرارية تدبير الشؤون المحلية وعدم ترك الفراغ داخل واحدة من أهم الجماعات الحضرية بالمنطقة.
ولم تكن جماعة أحلاف بإقليم بنسليمان بمنأى عن هذه الحركية، إذ سبق للمحكمة الإدارية أن قضت بعزل الرئيسة شيماء زايد بعد تقارير رقابية مفصلة أشارت إلى خروقات في تدبير الماء الصالح للشرب والصفقات العمومية والتعمير والموارد البشرية.
وتُعد هذه الحالة الرابعة من نوعها داخل الجماعة نفسها، ما جعلها نموذجاً محلياً للتعقيدات التي ترافق تسيير بعض المجالس الجماعية.
كما برزت في الفترة الأخيرة تطورات جديدة داخل جماعة الفضالات، بعد شروع عامل الإقليم في مسطرة الاستفسار في حق الرئيسة وعدد من الأعضاء، بينهم الرئيس السابق، على خلفية شبهات تضارب المصالح وتجاوزات محتملة.
وتمت إحالة الملف على المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات، في ظل توقعات بإمكانية صدور قرارات أخرى في حال ثبوت الوقائع موضوع المساءلة.
وفي تطور لم تفقد الساحة أثره بعد، كانت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء قد قضت خلال غشت الماضي بعزل رئيس جماعة بوسكورة بوشعيب طه، الذي شغل المنصب منذ سنة 2009، إضافة إلى مستشارين وموظفين جماعيين، مع التنفيذ المعجل.
وتضمن الملف معطيات عن منح تراخيص بناء خارج الإطار القانوني والتلاعب بمحاضر رسمية واختلالات في تدبير الصفقات، وهي المعطيات التي جعلت الحكم يحظى باهتمام واسع بالنظر لوزن الجماعة المعنية داخل جهة الدار البيضاء-سطات.
هذه التطورات المتلاحقة أثارت نقاشاً سياسياً حول خلفيات توقيتها وتزامنها مع اقتراب الانتخابات الجماعية لسنة 2026. ويرى عدد من المتابعين أن تكثيف مساطر العزل يعكس إرادة لدى الدولة لإعادة ترتيب البيت الداخلي للجماعات الترابية قبل الاستحقاقات المقبلة، عبر ضمان احترام القانون ومحاربة أي تجاوزات من شأنها التأثير على نجاعة العمل الجماعي.
ويرجح آخرون أن حرص السلطات على ربط المسؤولية بالمحاسبة أصبح أكثر صرامة في السنوات الأخيرة، في إطار توجه عام لتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة وتحسين جودة الخدمات العمومية محلياً.
ومع استمرار مسلسل العزل واتساع دائرته، يظهر أن المشهد الجماعي في مرحلة إعادة تشكل عميقة، قد تفرز خريطة سياسية جديدة قبيل انتخابات 2026، وتضع معيار النزاهة والكفاءة في مقدمة شروط البقاء داخل المشهد المحلي، في وقت تتصاعد فيه توقعات المواطنين بشأن تحسين الخدمات وتقوية آليات المراقبة والمساءلة داخل المؤسسات المنتخبة.