المعارضة تدعو حكومة أخنوش إلى تحصين الفضاء الرقمي من المحتويات الفاحشة
في سياق الجدل المتصاعد حول ما يُنشر في الفضاء الرقمي بالمغرب، عادت أحزاب المعارضة البرلمانية إلى الواجهة بمطالب واضحة تدعو إلى تشديد الإطار الزجري المتعلق بنشر ما تصفه بالمحتوى الفاحش على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع تقاسم الفيديو، معتبرة أن حجم الظاهرة واتساع تأثيرها يفرضان تدخلا تشريعيا حازما لمواكبة التحولات الرقمية المتسارعة.
وخلال السنوات الأخيرة، سجلت مختلف المنصات الرقمية انتشاراً متزايداً لمضامين خادشة للحياء، تتنافى مع القيم الأخلاقية والاجتماعية السائدة في المجتمع المغربي، وتُصنَّف في خانة ما يُعرف بـ "محتوى التفاهة".
وتشمل هذه المضامين، بحسب فاعلين سياسيين وجمعويين، ألفاظاً نابية، وإساءات لفظية، وإيحاءات وسلوكيات فاحشة يتم تداولها بشكل علني، ما يجعلها في متناول فئات واسعة من المستخدمين، من ضمنهم الأطفال والقاصرون، دون رقابة فعالة.
وأثار هذا الواقع قلقا متناميا لدى قطاعات واسعة من الرأي العام، بالنظر إلى ما يحمله من آثار سلبية على التنشئة الاجتماعية والثقافية، وعلى منظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع.
كما زاد من الضغوط الموجهة إلى الحكومة من أجل بلورة سياسات واضحة تجمع بين الردع القانوني والتوعية المجتمعية، بما يضمن حماية الفئات الهشة، خاصة فئة الشباب، من الانعكاسات الأخلاقية والنفسية لهذا النوع من المحتوى.
في هذا الإطار، بادر الفريق الحركي المصطف في صفوف المعارضة بمجلس النواب إلى تقديم مقترح قانون يرمي إلى تتميم وتغيير الفصل 483 من مجموعة القانون الجنائي، بهدف تشديد العقوبات المرتبطة بجريمة الإخلال العلني بالحياء، عندما يتم ارتكابها أو نشرها أو بثها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو شبكة الإنترنت أو أي وسيلة رقمية أخرى تُمكّن العموم أو فئة غير محددة من الأشخاص من الاطلاع عليها.
ويقترح النص التشريعي مضاعفة العقوبة المنصوص عليها في الصيغة الحالية للفصل المذكور في حالة الاستعمال الرقمي، مع الإبقاء على العقوبات الأصلية المتمثلة في الحبس من شهر إلى سنتين، وغرامة مالية تتراوح بين 200 و500 درهم، على أن يتم تشديدها كلما تعلق الأمر بمحتوى ينشر أو يتداول على نطاق واسع عبر الفضاءات الرقمية، لما لذلك من أثر مضاعف مقارنة بالعلنية التقليدية المرتبطة بالأماكن العمومية.
وأوضح الفريق، في مذكرته التقديمية، أن هذه المبادرة التشريعية تأتي انسجاما مع المقتضيات الدستورية التي تنص على حماية القيم المجتمعية وصون كرامة الأشخاص، كما تهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين صيانة الحريات الفردية وضمان الحقوق الجماعية، في ظل التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي بفعل الانتشار الواسع للتكنولوجيات الرقمية وتزايد الاعتماد على المنصات الاجتماعية كوسيلة للتعبير والتواصل.
وسجل المقترح أن الفضاء الرقمي بات مجالا مفتوحا لبث ونشر مضامين تتضمن سباً وقذفاً وبذاءة في الأقوال والأفعال، وإيحاءات وسلوكيات تمس بالحياء العام، يتم تداولها بشكل علني وسريع، مع قابلية كبيرة لإعادة النشر والتخزين، وهو ما يضاعف من آثارها الاجتماعية والأخلاقية، ويجعلها أكثر خطورة من مظاهر الإخلال بالحياء في الفضاءات التقليدية.
وأشار الفريق الحركي إلى أن الفصل 483 من القانون الجنائي، في صيغته الحالية، يجرم الإخلال العلني بالحياء من خلال العري المتعمد أو البذاءة في الإشارات أو الأفعال، ويُعرّف العلنية بالحضور المادي للأشخاص أو بوجود الفعل في أماكن يمكن أن تطلع عليها أنظار العموم، غير أنه لم يستحضر بشكل صريح الفضاء الرقمي كوسيط جديد للعلنية، رغم ما يتميز به من سرعة الانتشار واتساع دائرة المشاهدة.
وأضاف المصدر ذاته أن هذا الفراغ النسبي أفرز تبايناً في المقاربات القانونية والقضائية، بين من يدعو إلى التطبيق الصارم للنص الحالي باعتبار أن عنصر العلنية متحقق في الفضاء الرقمي.
وهو ما يعزز، حسب الفريق، الحاجة إلى تدخل تشريعي واضح يضمن الأمن القانوني ويوفر إطاراً منسجماً للتعامل مع هذه القضايا.
ويأتي هذا المقترح في سياق نقاش وطني متواصل حول تقنين المحتوى الرقمي بالمغرب، وتعزيز الحماية القانونية للقاصرين، والتصدي لمظاهر ما يوصف بالانفلات الأخلاقي في الفضاء الافتراضي، مع التأكيد في الوقت ذاته على ضرورة الحفاظ على حرية التعبير في إطارها المسؤول، بما لا يتعارض مع القيم المجتمعية ولا يمس بحقوق الآخرين.