هذه وصفة الحكومة لإنهاء عزلة الرياضة عن المناطق الهشة

الكاتب : انس شريد

27 يناير 2026 - 08:30
الخط :

أعاد النقاش البرلماني حول السياسة الحكومية في مجال الرياضة تسليط الضوء على التحولات التي يشهدها هذا القطاع، في سياق وطني يتجه إلى توسيع وظائف الرياضة لتتجاوز بعدها التنافسي والترفيهي، نحو أدوار اجتماعية وتنموية أعمق.

وقد برز خلال الجلسة الشهرية بمجلس المستشارين، اليوم الثلاثاء، توجه رسمي يعتبر الرياضة أداة للعدالة المجالية، ورافعة للإدماج الاجتماعي، ومدخلا لمعالجة الفوارق التي ظلت تطبع ولوج ساكنة المناطق الهشة، خصوصا القروية وشبه الحضرية، إلى البنيات والتجهيزات الرياضية.

وسجل متدخلون برلمانيون أن السنوات الأخيرة عرفت وفاء ملحوظا بالالتزامات المالية تجاه الجامعات الرياضية، إلى جانب مجهودات متواصلة في تعميم ملاعب القرب وتعزيز التنسيق بين قطاعي التربية الوطنية والرياضة، بما أعاد الاعتبار للرياضة المدرسية والجامعية باعتبارها قاعدة أساسية لبناء الممارسة الرياضية المستدامة.

كما تم التنويه بالتطور الحاصل في مجال الأمن الرياضي، سواء من حيث محاربة شغب الملاعب أو اعتماد وسائل تكنولوجية حديثة لحماية الجماهير واللاعبين، في تجربة اعتبرت مؤشرا على نضج المقاربة الأمنية والقضائية داخل الفضاءات الرياضية.

وفي مقابل تثمين هذه المنجزات، شدد عدد من المستشارين على أن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من منطق التدخلات الجزئية إلى رؤية أكثر شمولية، تضمن إنصاف مختلف الرياضات الفردية والجماعية، وتقوية البحث العلمي الرياضي، والنهوض بالرياضة المدرسية والجامعية خاصة في الوسط القروي، وتحسين الوضعية الاجتماعية للرياضيين، مع تنويع مصادر التمويل وتجويد الإطار القانوني بما يكرس الشفافية والحكامة الجيدة.

وفي هذا السياق، برزت مطالب بإيلاء عناية خاصة برياضة الأشخاص في وضعية إعاقة، ودعم الجمعيات الرياضية المحلية وجمعيات الأنصار، بالنظر إلى دورها الحيوي في تأطير الشباب وتنشيط الحياة الرياضية داخل الأحياء والمناطق الهشة.

من جهة أخرى، طرحت دعوة إلى تنظيم مناظرة وطنية ثانية حول الرياضة، بهدف تقييم موضوعي للمنجزات المحققة، وتشخيص الاختلالات التي ما تزال تعيق تحقيق الإقلاع الرياضي الشامل، في ظل تعدد المتدخلين وتفاوت انخراطهم وضعف التنسيق بينهم.

وفي تفاعله مع هذا النقاش، قدم عزيز أخنوش رئيس الحكومة، قراءة رقمية لمسار إصلاح القطاع الرياضي، مبرزا أن الحكومة انخرطت في مسار إصلاحي هادئ لكنه عميق، ينطلق من اعتبار الرياضة رافعة للتنمية والإدماج الاجتماعي.

وأوضح أن هذا التوجه تجسد أولا في تطوير البنية التنظيمية، حيث يتوفر المغرب اليوم على 57 جامعة رياضية وطنية تشرف على مختلف التخصصات، وتؤطر المنافسات، وتسهر على التكوين وتمثيل المملكة قاريا ودوليا.

وأضاف أخنوش أن هذه المنظومة التنظيمية تعززت بوجود 261 عصبة جهوية، ما يعكس الامتداد الترابي للرياضة الوطنية، وانتقالها من منطق التركيز في المركز إلى حضور متدرج في مختلف جهات المملكة. غير أن التنظيم، حسب رئيس الحكومة، يظل غير ذي جدوى إذا لم يكن مرتبطا بنسيج جمعوي حي وقريب من المواطن.

وفي هذا الصدد، أبرز أخنوش أن عدد الجمعيات الرياضية عرف تطورا لافتا، إذ انتقل من حوالي 4745 جمعية سنة 2021 إلى أكثر من 7000 جمعية سنة 2025، أي بزيادة تفوق 53 في المائة خلال أربع سنوات، معتبرا أن هذا التحول يعكس اتساع قاعدة الممارسة الرياضية، وارتفاع الطلب الاجتماعي عليها، خاصة في صفوف الأطفال والشباب.

وكشف رئيس الحكومة أن هذا النسيج الجمعوي يضم اليوم ما يقارب 500 ألف منخرط، وهو رقم يعكس دينامية إيجابية، لكنه يطرح في الآن ذاته تحديات مرتبطة بالتأطير والجودة والحكامة، ما يستدعي مواكبة هذا التوسع بسياسات دعم وتكوين ملائمة.

وعلى مستوى البنيات التحتية، أوضح أخنوش أن الحكومة عملت خلال الفترة الأخيرة على دعم وتأهيل حوالي 2500 بنية رياضية واجتماعية، من بينها أزيد من 1050 ملعب قرب، و157 قاعة متعددة التخصصات، و717 مركزا سوسيو-رياضيا للقرب، إضافة إلى منشآت أخرى موجهة للشباب، دون احتساب الاستثمارات التي أنجزتها الجماعات الترابية بإمكانياتها الذاتية.

وأكد أن دلالة هذه الأرقام تكمن في كونها تعكس اختيارا استراتيجيا يقوم على توجيه الاستثمار العمومي نحو رياضة القرب، وعدم الاكتفاء بالبنيات الكبرى ذات البعد الرمزي.

وفي هذا الإطار، اعتبر أن برنامج إحداث 800 ملعب للقرب بين سنتي 2021 و2025، خاصة في العالم القروي والمجالات شبه الحضرية، شكل رافعة حقيقية لتقليص الفوارق المجالية، وجعل ممارسة الرياضة حقا متاحا لجميع المواطنات والمواطنين.

وبالتوازي مع هذا الورش القاعدي، حسب المتحدث ذاته، شهدت البنيات الكبرى نقلة نوعية، سواء عبر تأهيل الملاعب القائمة أو إنجاز أخرى جديدة بطاقة استيعابية مهمة، ما عزز جاهزية المغرب لاحتضان التظاهرات القارية والدولية.

وأبرز أخنوش أن هذه الملاعب لم تعد مجرد فضاءات للمنافسة، بل تحولت إلى أدوات لتحديث المدن وتحسين الخدمات وربط الرياضة بالسياحة والاقتصاد المحلي.

وأشار في هذا السياق إلى عمليات التأهيل التي شملت عددا من الملاعب الكبرى، والتي ساهمت في توزيع التظاهرات الرياضية على مختلف جهات المملكة، في مقاربة تروم تحقيق التوازن المجالي وتعزيز الإشعاع الوطني.

ويعكس هذا التوجه العام إرادة رسمية لجعل الرياضة سياسة عمومية متعددة الأبعاد، وأداة فعالة لتقليص الفوارق المجالية وبناء مجتمع أكثر توازنا وتماسكا.

آخر الأخبار