جدل استغلال السيارات لأغراض شخصية يواصل مطاردة مقاطعات الدار البيضاء

الكاتب : انس شريد

28 يناير 2026 - 10:30
الخط :

في سياق يتسم بتصاعد النقاش العمومي حول تخليق الحياة العامة وترشيد النفقات وربط المسؤولية بالمحاسبة، عاد ملف استغلال السيارات الوظيفية ليفجر جدلا واسعا داخل مقاطعات مدينة الدار البيضاء، بعدما راجت معطيات وتقارير تتحدث عن اختلالات خطيرة في تدبير حظيرة السيارات الموضوعة رهن إشارة المنتخبين والمسؤولين المحليين، واستعمال بعضها خارج الأغراض الإدارية التي خُصصت لها.

وبحسب المعطيات المتداولة، فقد فجر المستشار المعارض بمقاطعة الحي الحسني مصطفى منضور هذا الملف من جديد، بعدما نشر تدوينة على صفحته الرسمية بموقع “فيسبوك” تحدث فيها عن إصدار رئيس المقاطعة الطاهر اليوسفي، خلال الأسبوع الماضي، أمرا بمهمة إضافيا لسيارة لفائدة نفس موظف سابق بمصلحة الأغراس والبيئة، ليرتفع بذلك عدد السيارات الموضوعة رهن إشارة الشخص ذاته إلى سيارتين، في واقعة وُصفت بأنها غير مسبوقة في تدبير أسطول السيارات داخل الجماعات الترابية.

وأوضح منضور أن هذا القرار جاء رغم أن المقاطعة كانت قد استرجعت، في الفترة نفسها، إحدى السيارتين بعدما تم ضبطها مستعملة من طرف شخص لا تربطه أي صلة إدارية بالمجلس، قيل إنه تجمعه علاقة قرابة بأحد أعضائه.

واعتبر المستشار المعارض أن إعادة تخصيص سيارة ثانية للشخص نفسه يثير أكثر من علامة استفهام حول خلفيات القرار، ويعزز الشكوك بشأن محاولة احتواء قضية أصبحت، وفق تعبيره، موضوع اهتمام من قبل جهات مختصة.

وأضاف أن هذه التطورات تعكس، في نظره، اختلالات مقلقة في طريقة تدبير الشأن المحلي داخل المقاطعة، وتطرح تساؤلات جوهرية حول احترام قواعد الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة عندما يتعلق الأمر باستعمال وسائل ممولة من المال العام.

وكان المستشار ذاته قد سبق أن وجه مراسلة إلى وزارة الداخلية طالب فيها بفتح تحقيق عاجل ودقيق حول شبهات استغلال سيارات المصلحة التابعة لمقاطعة الحي الحسني لأغراض شخصية، على خلفية واقعة تتعلق بتعرض سيارة نفعية تابعة للمقاطعة لأضرار مادية جسيمة إثر حادثة سير، في وقت كان يقودها شخص لا تجمعه أي علاقة إدارية رسمية بالمقاطعة، وهو ما زاد من حدة الانتقادات والشكوك حول طريقة مراقبة وتتبع استعمال هذه السيارات.

وتزامن هذا الجدل مع تداول معطيات أخرى تحدثت عن استغلال سيارة وظيفية تعود لأحد رؤساء المقاطعات من طرف ابنه، مع السماح له باستعمالها خارج التراب الوطني، وهو ما فجّر موجة من الاستياء والتساؤلات داخل الأوساط السياسية والإعلامية، وأعاد إلى الواجهة مطلب تشديد المراقبة على كيفية تدبير وسائل الجماعات الترابية.

وفي خضم هذا التفاعل المتسارع، خرج يوسف رخيص، رئيس مقاطعة الحي المحمدي، عن صمته، من خلال تدوينة نشرها على حسابه الشخصي بموقع “فيسبوك”، نفى فيها بشكل قاطع صحة ما تم تداوله بخصوص خروجه بسيارة مكتراة من طرف مجلس جماعة الدار البيضاء خارج المهام الرسمية.

وأكد أن ما راج في هذا الشأن لا يعدو أن يكون، بحسب تعبيره، خبرًا زائفًا يدخل في إطار التضليل ومحاولات خلط الأوراق، مشددًا على أن المعطيات المتداولة تفتقر إلى أي أساس واقعي أو قانوني.

وأوضح رخيص أن الطلب الذي جرى توظيفه في هذا الجدل كان مرتبطًا بشراكة مؤسساتية قائمة بين المجلس السابق وإحدى المدن الإيطالية، وهي شراكة معروفة على المستوى الرسمي، غير أن السفر الذي كان مبرمجًا في هذا الإطار لم يتم في نهاية المطاف وتم إلغاؤه، ما ينفي، بحسبه، أي استعمال للسيارة خارج الضوابط القانونية أو في سياق غير رسمي.

كما أشار إلى وضعه الصحي، موضحًا أنه شخص في وضعية إعاقة ويتوفر على سائق، وأنه في حالات استثنائية مرتبطة بغياب هذا الأخير يتولى ابنه القيادة، معتبرًا أن ذلك لا يشكل خرقًا للقانون الجاري به العمل.

وفي المقابل، دعا رئيس مقاطعة الحي المحمدي إلى توجيه النقاش نحو ما وصفه بالإشكال الحقيقي، والمتمثل في الاستعمال غير المشروع لسيارات المال العام من طرف أبناء أو زوجات بعض المستشارين، معبرًا عن استعداده للانخراط في أي مساءلة مسؤولة، ومؤكدًا رفضه لما اعتبره إشاعات تمس بالحقيقة وبذكاء المواطنين.

ويأتي هذا السجال في سياق أوسع يتسم بتزايد الانتقادات الموجهة لتدبير مجلس جماعة الدار البيضاء لملف السيارات الوظيفية، خاصة بعد الكشف عن تخصيص غلاف مالي يقدر بنحو 17 مليون درهم ضمن ميزانية سنة 2026 لكراء أسطول من السيارات لفائدة مسؤولي الجماعة.

وهو رقم أثار موجة استنكار داخل المجلس وخارجه، ولا سيما من طرف فرق المعارضة، التي اعتبرت هذا التوجه متعارضًا مع توصيات المجلس الأعلى للحسابات، ومع الدورية الأخيرة الصادرة عن وزارة الداخلية، والتي شددت على ضرورة ترشيد نفقات التجهيز والحد من المصاريف غير الضرورية للجماعات الترابية.

وتُظهر المعطيات المالية المتداولة أن الميزانية المرصودة لكراء السيارات برسم سنة 2026 تفوق تلك التي خُصصت سنة 2025، والتي بلغت حوالي 15 مليون درهم، كما تتجاوز بشكل لافت قيمة الصفقة التي أبرمت سنة 2022، والتي لم تتعد 11 مليون درهم.

وهي زيادات متتالية يرى منتقدوها أنها لا تنسجم مع السياق العام الذي يدعو إلى التقشف وترشيد النفقات، ولا مع الوضعية المالية التي تواجهها الجماعة، في ظل التحديات الخدماتية والاستثمارية الكبرى التي تعرفها العاصمة الاقتصادية.

وتعززت هذه الانتقادات في ظل غياب تقييم دقيق ومعلن لحاجيات الجماعة الفعلية من السيارات، وطبيعة استعمالها، وعدد المستفيدين منها، إضافة إلى ما يرافق هذا الملف من غموض يلف شروط المراقبة والتتبع وآليات المحاسبة.

آخر الأخبار