كابوس القنابل الموقوتة مستمر.. انهيار جديد يثير الذعر في الدار البيضاء
تعود مأساة المباني الآيلة للسقوط لتفرض نفسها بقوة على المشهد الحضري بالمغرب كلما شهدت البلاد اضطرابات جوية أو تساقطات مطرية غزيرة، إذ تجد آلاف الأسر القاطنة بالأحياء الشعبية والعتيقة نفسها في مواجهة خطر دائم يهدد سلامتها، في ظل هشاشة بنايات شُيّدت منذ عقود طويلة ولم تعد قادرة على مقاومة عوامل الزمن والتقلبات المناخية، رغم تعاقب البرامج الحكومية التي رفعت شعار القضاء على السكن غير اللائق وتحسين شروط العيش داخل النسيج الحضري الهش.
هذه المخاوف تجددت من جديد عقب حادث انهيار مأساوي عرفته المدينة القديمة بالدار البيضاء، أعاد إلى الواجهة إشكالية البنايات المهددة بالسقوط التي تؤرق سكان العاصمة الاقتصادية للمملكة، وتثير في كل مرة موجة من القلق والأسئلة حول نجاعة التدخلات العمومية ومدى قدرتها على حماية الأرواح قبل وقوع الكارثة.
ففي حادث أليم وقع يوم الخميس 29 يناير 2026، انهار جزء من منزل متهالك بالمدينة القديمة على مستوى زنقة الشلوح بشكل مفاجئ، مخلفًا وفاة سيدة مسنة وإصابة زوجها بجروح وكسور وصفت بالخطيرة.
ورغم تدخل عناصر الوقاية المدنية والسلطات المحلية ونقل الضحايا على وجه السرعة إلى المستشفى، إلا أن الضحية لفظت أنفاسها الأخيرة متأثرة بإصابتها، في حين لا يزال زوجها يخضع للعلاج تحت المراقبة الطبية.
وسبق للجهات المسؤولة على الدار البيضاء إلى اتخاذ إجراءات احترازية شملت إخلاء عدد من المنازل المصنفة ضمن البنايات الآيلة للسقوط، منذ بداية موسم الشتاء إلى جانب تسريع عمليات هدم بعض العقارات التي صدرت في حقها قرارات رسمية في وقت سابق، وذلك تفاديًا لتكرار سيناريوهات كارثية سبق أن خلفت ضحايا وخسائر جسيمة.
وتؤكد هذه الوقائع أن ما يحدث ليس حوادث معزولة، بل جزء من واقع يومي تعيشه أحياء معروفة بالدار البيضاء، من بينها المدينة القديمة، درب السلطان، والحي المحمدي، حيث تحولت منازل كثيرة إلى بنايات متصدعة وأسقف متهالكة، أشبه بقنابل موقوتة قد تنهار في أي لحظة، فيما يجد السكان أنفسهم عالقين بين ضعف الإمكانيات المادية وغياب بدائل سكنية آمنة.
وتطرح هذه الكوارث المتكررة إشكالات عميقة حول مسؤولية الجهات المعنية ومدى فعالية البرامج المعتمدة لمعالجة هذا الملف الشائك، خاصة في ظل استمرار شكاوى السكان من بطء الإجراءات وتأخر الحلول، رغم الوعود المتكررة التي رافقت إطلاق برامج إعادة التأهيل ومحاربة السكن غير اللائق.
وفي هذا السياق، سبق لكاتب الدولة لدى وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، المكلف بالإسكان، أديب بن إبراهيم، أن أقر بوجود تعثرات حالت دون تنفيذ البرنامج المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط داخل الآجال المحددة، محملًا المسؤولية لاختلالات عرفها التنزيل العملي لهذا الورش خلال السنوات الماضية.
وأوضح المسؤول الحكومي، خلال مناقشات برلمانية سابقة، أن البرنامج كان من المفترض أن يكتمل سنة 2021، بعدما تم توفير الإمكانيات اللازمة للجماعات الترابية واللجان المحلية، غير أن عوامل متعددة حالت دون تحقيق الأهداف المسطرة، ما ساهم في تأجيل حلول كانت من شأنها تفادي عدد من المآسي الإنسانية.
وأشار في السياق ذاته إلى أن الوزارة أعدت برنامجًا تكميليًا جديدًا، رُصدت له اعتمادات مالية إضافية، بهدف توفير سكن لائق لفائدة مئات الأسر المتضررة، وتسريع وتيرة التدخل لمعالجة الخصاص المسجل في هذا المجال.
كما أكد أن السلطات قامت بجرد ما يفوق 38 ألف بناية مصنفة ضمن المباني المهددة بالسقوط على الصعيد الوطني، مع إنجاز دراسات تقنية لتحديد درجة الخطورة ومنح الأولوية للبنايات الأكثر عرضة للانهيار.
غير أن المعطيات الميدانية تكشف أن هذه الجهود، على أهميتها، لم تنجح بعد في وقف نزيف الحوادث، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى نجاعة المقاربة المعتمدة، وحول الحاجة إلى تسريع وتيرة التدخل وربط المسؤولية بالمحاسبة، قبل أن تتحول المباني المتهالكة إلى مصدر دائم للفواجع.
وفي انتظار تفعيل حلول ملموسة وشاملة، يواصل آلاف المواطنين العيش داخل منازل فقدت شروط السلامة، يواجهون يوميًا هاجس الانهيار المفاجئ، في مشهد يعكس هشاشة اجتماعية وعمرانية تتطلب معالجة استعجالية، تضع حماية الأرواح في صدارة الأولويات، وتنهي معاناة سكان ظلوا لسنوات ينتظرون تدخلا ينقذهم من خطر الموت تحت الأنقاض.