اختلالات النقل الصحي تضغط على المجالس المنتخبة بجهة الدار البيضاء–سطات

الكاتب : انس شريد

29 يناير 2026 - 10:00
الخط :

لا تزال جهة الدار البيضاء–سطات تواجه اختلالات حادة في مرفق نقل المرضى والجرحى، في وقت يفترض فيه أن يشكل هذا القطاع أحد أعمدة المنظومة الصحية وضمانات الكرامة الإنسانية في اللحظات الحرجة.

ورغم التأكيدات المتكررة من قبل عدد من الجماعات الترابية بشأن تخصيص اعتمادات مالية مهمة لدعم هذا المرفق وتعزيز أسطول سيارات الإسعاف، فإن الواقع الميداني يكشف عن خصاص واضح ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للمرضى والمصابين، بل ويمتد أثره إلى خدمات نقل الموتى، ما يضع السلطات المحلية والمنتخبة تحت ضغط اجتماعي متواصل.

ووفقا لما توصلت به الجريدة 24، فإن ساكنة المقاطعات المهشمة بمدينة الدار البيضاء تشتكي من عجز في وسائل النقل الصحي، سواء تعلق الأمر بسيارات الإسعاف المخصصة لنقل المرضى والجرحى نحو المؤسسات الاستشفائية، أو العربات المخصصة لنقل الموتى إلى المقابر.

هذا الخصاص أضحى مصدر توتر دائم بين المواطنين والإدارات المحلية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة، حيث تتحول الحاجة إلى سيارة إسعاف في كثير من الحالات إلى سباق مع الزمن قد تكون كلفته حياة إنسان.

وتفيد معطيات الجريدة 24، بأن عددا من المقاطعات بات يواجه ضغطاً يومياً نتيجة تزايد الطلب على خدمات النقل الصحي، في ظل محدودية الوسائل المتاحة وتزايد الشكاوى المرتبطة بتأخر الاستجابة أو الاضطرار إلى اللجوء إلى وسائل نقل غير ملائمة.

كما يتجدد الجدل السياسي حول طريقة تدبير هذا المرفق، بعدما سبق لفرق معارضة، خاصة داخل مجلس مدينة الدار البيضاء، أن أثارت مسألة استغلال سيارات الإسعاف في سياقات ذات طابع انتخابي ضيق، معتبرة أن توظيف هذه الوسائل لأغراض غير صحية يتم على حساب حق المواطنين في الولوج العادل إلى خدمات حيوية.

في هذا السياق، كشف التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2024-2025 عن صورة مركبة لمرفق نقل المرضى والجرحى بجهة الدار البيضاء–سطات، مسلطاً الضوء على مكامن القوة والقصور، ومؤكداً الحاجة إلى إصلاحات هيكلية وتنظيمية عميقة.

واعتبر التقرير أن هذا المرفق يندرج ضمن الخدمات العمومية الحيوية التي أناط القانون بالجماعات الترابية مسؤولية تدبيرها وتنظيمها، بما يضمن توفير خدمات آمنة وفعالة في الظروف العادية كما في الحالات الاستثنائية، بما فيها الأزمات الصحية.

وأشار التقرير، استناداً إلى مهمة موضوعاتية شملت الفترة الممتدة من 2018 إلى 2024، إلى أن الجهة تتوفر على ما يقارب ألف سيارة إسعاف موزعة على مختلف العمالات والأقاليم، إضافة إلى 182 مؤسسة استشفائية. غير أن هذا الرصيد العددي لا يعكس بالضرورة نجاعة المرفق، إذ يواجه التدبير اليومي مجموعة من التحديات البنيوية، في مقدمتها غياب إطار قانوني وتنظيمي متكامل يحدد بدقة شروط مزاولة نشاط النقل الصحي، ويوحد معايير الجودة والسلامة بين القطاعين العام والخاص.

وسجل التقرير كذلك ضعف منظومة المؤشرات والإحصائيات الدقيقة التي تمكن من تقييم فعالية خدمات النقل الصحي وقياس زمن الاستجابة وجودة التكفل بالحالات، ما يجعل عملية التخطيط واتخاذ القرار مبنية في أحيان كثيرة على تقديرات غير دقيقة.

كما أن تعدد المتدخلين في هذا المجال، حسب التقرير، من جماعات ترابية وسلطات صحية ووقاية مدنية وفاعلين خواص، أفرز برامج ومبادرات متفرقة تحتاج إلى مزيد من التنسيق والانسجام لضمان التكامل بدل التداخل.

ويرى التقرير أن هذا التعدد في الفاعلين، وإن ساهم نسبياً في سد بعض أوجه الخصاص، فإنه يطرح في المقابل إشكالات تتعلق بتحديد المسؤوليات وضبط معايير الجودة وضمان سرعة الاستجابة في الحالات المستعجلة.

أما على مستوى التدبير المباشر للجماعات، فقد أبرزت الملاحظات المسجلة غياب تخطيط استراتيجي واضح لتسيير المرفق، واعتماد عدد من الجماعات على موارد بشرية غير مستقرة، سواء من حيث الوضعية الإدارية أو التكوين، إلى جانب استعمال سيارات إسعاف غير مجهزة بالشكل المطلوب أو غير خاضعة للمراقبة التقنية المنتظمة.

ومن بين الاختلالات التي توقف عندها التقرير أيضاً عدم التمييز في بعض الحالات بين نقل المرضى ونقل الأموات، وهو ما يطرح إشكالات مهنية وأخلاقية وصحية، إضافة إلى غياب الرقابة على الأسعار وعدم الإعلان عن التعريفات الرسمية لخدمات النقل الصحي، خاصة عندما يتم اللجوء إلى القطاع الخاص. كما لوحظ ضعف تأطير الفاعلين غير المهيكلين في المدن الكبرى، وعلى رأسها الدار البيضاء، حيث تبقى مساطر الترخيص والمراقبة غير منسجمة دائماً مع الإطار القانوني المنظم لاختصاصات الجماعات.

وفي ما يتعلق بالعلاقة بين الجماعات والقطاع الخاص، أشار التقرير إلى أن تقديم بعض الجماعات لخدمات النقل الصحي بشكل مجاني يؤثر على مردودية نشاط الفاعلين الخواص، ما يخلق وضعاً تنافسياً غير متوازن، ويزيد من تعقيد تنظيم القطاع وضبطه.

واختتم المجلس الأعلى للحسابات تقريره بحزمة من التوصيات الرامية إلى إرساء إصلاح متكامل لهذا المرفق، من أبرزها وضع إطار تنظيمي شامل لمهن نقل المرضى والجرحى يشمل القطاعين العام والخاص، وإعداد خطط استراتيجية على مستوى الجماعات لتسيير المرفق، مع إرساء آليات واضحة للتنسيق بين مختلف المتدخلين.

كما أوصى بإعادة تأهيل الوسائل البشرية والمادية، وضمان تجهيز سيارات الإسعاف وفق المعايير المطلوبة، وإدماج الفاعلين غير المهيكلين ضمن منظومة مؤطرة قانونياً ومهنيا.

آخر الأخبار