مشروع بـ15 مليار سنتيم يضع مجلس الدار البيضاء على صفيح ساخن
تفجر جدل واسع داخل الأوساط السياسية والرياضية بمدينة الدار البيضاء، على خلفية إدراج مشروع اتفاقية شراكة ضمن جدول أعمال دورة فبراير العادية لمجلس جماعة المدينة، تتعلق بإحداث فضاء رياضي وثقافي مخصص للألعاب والرياضات الإلكترونية، بكلفة مالية تناهز 15 مليار سنتيم، وعلى مساحة عقارية عمومية تُقدّر بحوالي 3000 متر مربع، تعود ملكيتها للجماعة.
وتدرس وزارة الشباب والثقافة والاتصال، بمعية جماعة الدار البيضاء ومجلس العمالة، إطلاق هذا المشروع على مستوى موقع سوق الجملة القديم بالعاصمة الاقتصادية، في إطار اتفاقية شراكة من المرتقب عرضها على المصادقة خلال الدورة العادية المقبلة، بمشاركة كل من ولاية جهة الدار البيضاء-سطات وعمالة الدار البيضاء، مع انتداب شركة التنمية المحلية “الدار البيضاء للتهيئة” للإشراف على التنزيل العملي للمشروع.
وأثار مضمون الاتفاقية المقترحة موجة من التساؤلات والانتقادات داخل مجلس الجماعة، خاصة بعد توصل عدد من المستشارين بنسخة منها، حيث عبّروا عن استغرابهم لغياب الجامعة الملكية المغربية للألعاب الإلكترونية عن لائحة الشركاء، رغم كونها الهيئة الرسمية المؤطرة لهذا النوع من الأنشطة، وهو ما اعتبره بعض المنتخبين إخلالًا بمبدأ الحكامة التشاركية وإقصاءً لطرف أساسي يفترض أن يكون حاضرًا في مثل هذه المشاريع.
وخلال اجتماع لجنة التعاون والشراكات التابعة لمجلس جماعة الدار البيضاء، الذي انعقد يوم الجمعة، ساد جو من التوتر والسجال الحاد بين أعضاء اللجنة، بسبب ما وصفه بعضهم بمحاولة تمرير الاتفاقية دون نقاش معمق أو إدخال تعديلات جوهرية عليها، خاصة بالنظر إلى حجم الغلاف المالي المرصود لها وطبيعة العقار العمومي الذي سيُخصص لفائدة المشروع.
وخلال أشغال الاجتماع، دعا رئيس لجنة التعاون والشراكات، مصطفى منضور، المستشار الجماعي عن حزب التقدم والاشتراكية، إلى التعجيل بالتصويت على النقطة المدرجة، مبررًا ذلك بإطالة النقاش وضرورة احترام التوقيت، وهو ما أثار حفيظة عدد من الأعضاء الذين اعتبروا هذا التوجه مساسًا بحقهم في النقاش والتداول، خاصة أن الأمر يتعلق باتفاقية وُصفت بـ”الثقيلة” من حيث الكلفة والالتزامات المترتبة عنها.
وسرعان ما تحول النقاش إلى حالة من الفوضى داخل القاعة، بعدما عبّر عدد من المستشارين عن شعورهم بالغبن، متسائلين عن الكيفية التي يمكن بها تمرير اتفاقية شراكة بقيمة 15 مليار سنتيم، تمنح بموجبها مساحة شاسعة من الملك العمومي، دون إخضاعها لنقاش جدي ومسؤول، ودون الأخذ بعين الاعتبار ملاحظات سابقة كانت قد أُثيرت بخصوص المشروع نفسه.
ويُشار إلى أن هذه الاتفاقية ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن عُرضت نسخة أولية منها خلال دورة أكتوبر الماضية، قبل أن يتم رفضها والمطالبة بتأجيلها إلى دورة لاحقة من أجل تعميق الدراسة وإدخال تعديلات تراعي ملاحظات المنتخبين، خصوصًا تلك المتعلقة بالجدوى، وطبيعة الشركاء، وآليات الاستفادة من الفضاء العمومي.
ووفقا لمصادر الجريدة 24، فإن الاتفاقية، بدل أن تعود إلى لجنة الشؤون الثقافية والرياضية، وهي اللجنة التي ناقشت المشروع في صيغته الأولى وقدّمت بشأنه مجموعة من التوصيات، جرى توجيهها إلى لجنة التعاون والشراكات، في خطوة اعتبرها بعض المستشارين “التفافا إجرائيا” يهدف إلى تسهيل تمرير الاتفاقية دون العودة إلى الملاحظات السابقة أو فتح نقاش موسع حولها.
وأضافت المصادر ذاتها أن اختيار لجنة التعاون والشراكات لم يكن بريئا، بل جاء لاعتبارات مرتبطة بسرعة المسطرة وإمكانية تمرير المشروع بأقل قدر من الاعتراضات، وهو ما عمّق منسوب الشكوك لدى عدد من الفاعلين داخل المجلس، الذين طالبوا بإعادة الاتفاقية إلى مسارها الطبيعي، وربط أي مصادقة عليها بضمان الشفافية وتوضيح معايير الاستفادة وتحديد المسؤوليات بدقة.
وفي انتظار الحسم النهائي خلال دورة فبراير العادية، يظل مشروع إحداث فضاء للألعاب الإلكترونية بالدار البيضاء محط نقاش متواصل، بين من يعتبره استثمارًا في مجالات ثقافية ورياضية واعدة، ومن يرى فيه مشروعا يفتقر إلى الوضوح ويطرح أكثر من علامة استفهام حول تدبير المال العام واستغلال الملك الجماعي.